Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ كذلك } أى كما حقت، والربوبية لله عز وجل، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الإيمان والطاعة { حقت كلمة ربك } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائى كلمة ربك بالإفراد، وكذا فى آخر السورة، وفى غافر، والجمع باعتبار الأفراد بفتح الهمزة، أو لتعدد ما حكم به على كل فرد، والإفراد بالكسر باعتبار أن ذلك كله حكم لله، أو بمعنى الجمع. { على الذين فسقوا } أشركوا، فإن الفسق هو الخروج، والإشراك خروج عن الصلاح { أنهم لا يؤمنون } بدل من كلمة، أى حق وثبت أنهم لا يؤمنون، أى عدموا إيمانهم، أو معنى حقت كلمات ربك سبق القضاء بهلاكهم وعذابهم، وهى { لأملأن جهنم } الآية فتقدر لام التعليل، أى لأنهم لا يؤمنون، ويدل له قراءة بن أبى عبلة بكسر الهمزة على التعليل الجملى.
[10.34]
{ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق } يوجده بعد إن لم يكن { ثم يعيده } يبعثه بعد ذهابه استفهام إنكار أو تقرير، أى أقروا بما عندكم فى ذلك، من ثبوت من يفعل ذلك من شركائكم أو عدمه، وقد تبين يقينا أن شركاءهم لا تفعل ذلك، فانتفت الألوهية والربوبية عنها، وثبتنا لمن يفعل ذلك، وهو الله سبحانه وتعالى، وهم ولو كانوا لا يقرون بالبعث لله، لكنه كالشئ الذى يقرن به لظهور دليل البعث وبرهانه، فكأنهم مصدقون به فخوصموا به، ولشدة غوصهم فى بحر إنكاره حتى لا يمكن نطقهم بإثباته، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يجيب بإثبات البدء فقال { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده } حقا واضحا، أقررتم أو جحدتم { فأنى تؤفكون } تصرفون عن إثبات البعث، وعن العبادة.
[10.35]
{ قل هل من شركائكم } أوثانكم { من يهدى } بنصب الحجج، وإرسال الراسل، والتوفيق للنظر والتدبر { إلى الحق } وعربت الهداية بإلى لتضمنها معنى الإنهاء والإيصال، وتقدر أيضا باللام، لدلالتها على أن المنتهى غاية للهداية، ولكون أصل اللام للملك، والهداية ملك لله كما قيل، ولم يرد القائل أن اللام للملك، لأن اللام لم تدخل على اسم من ملك الهداية فيما فيه البحث على العموم، ولم توضع إلى لذلك، ولكنها قد تستعمل فيه عروضا وموافقة، وإنما وضعت للغاية، بخلاف اللام فإنها تدل بالوضع على أن المنتهى غاية الهداية، ولذى عدى بها ما أسند إلى الله تعالى فى قوله { قل الله يهدى للحق } لا بإلى، وأما { أفمن يهدى إلى الحق } فإنه ولو عدى فيه بإلى فيما أسند إلى الله، لأنه هو من يهدى إلى الحق، لكنه ليس بصريح، بخلاف { قل الله يهدى للحق } كذا قال شيخ الإسلام تصحيحا لكلام القاضى، والحق عندى أن تعدية الهداية بإلى واللام لغتان، واللام بمعنى إلى، فكأنه قيل قل الله يهدى إلى الحق، أفمن يهدى غيره إلى الحق. { أحق أن يتبع أمن } عطف على من { لا يهدى } لا يهتدى، فضلا عن أن يهدى غيره، وأصله يهتدى، أبدلت التاء دالا، ونقلت فتحتها للهاء، وأدغمت الدال فى الدال، وذلك رواية ورش، وقالون، عن نافع، وفى رواية عن قالون عنه اختلاس فتحة الهاء، وهو رواية عن أبى عمرو، وابن جماز، وبإخلاص الفتح قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، بخلاف عن ابن جماز كرواية ورش. قال الإمام الأندلسى أبو عمرو الدانى النص عن قالون بإسكان الهاء، وكذا نسب القاضى إلى أبى عمرو، ونافع فى رواية عنه، ولم يباليا بالتقاء الساكنين، لأن المدغم فى حكم المتحرك، وكذا روى عن أبى جعفر، والأعرج، ونص الدانى قبل ذلك، على أن قالون وأبا عمرو يخفيان حركة الهاء وهو الاختلاس، وقد ذكر اليزيدى، أن أبا عمرو يسم الهاء شيئا من الفتح، فلعل النص عن قالون، والرواية عن أبى عمرو وغيرهما بالإسكان، مراد بهما الاختلاس أو الإشمام لقربهما من السكون، وقرأ حفص بكسر الهاء، كأنه حذف فتح التاء حذفا أو أراد الإبدال والإدغام والهاء ساكنة فكسرها، لئلا يلتقى ساكنان، وكذا قرأ يعقوب، وكسر أبو بكر الهاء لذلك، والباء موافقة للهاء، وكل ذلك من الاهتداء، وقرأ حمزة والكسائى بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال من هدى الثلاثى اللازم بمعنى اهتدى. { إلا أن يهدى } وقرأ يحيى بن الحارث الذمارى، بتشديد الدال وفتح الهاء والياء، وذلك مبالغة، ومعنى اهتداء الشركاء إذا هديت وهو المراد بقوله { أمن لا يهدى إلا أن يهدى } انتقالها إذ نقلت، وتجردها عن وسخ ونحوه، والوقوع فى هوة، وتكسر إذا جردت وأنفذت، أو معناه أنها لا تهتدى إلى الحق إلا إن علمتموها، فبتعليمكم تهتدى، وهذه مجاراة لهم فى تنزيلها منزلة من يعقل ويسمع، أو أنها لا تهتدى إلى النطق والتسبيح، إلا أن خلق الله فيها قوة ذلك، وليس من شأنها قبل أن يخلق فيها تلك القوة النطق والتسبيح، ومن ذلك نطقها يوم القيامة بإنكار عبادتهم لها، ويجوز قبل أن يكون المراد بالشركاء فى قوله { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق } رؤساء الكفر، فإنهم لا يهدون غيرهم، ولا يهتدون، إلا إن هداهم الله، أو المراد إشراف الشركاء كالملائكة وعزير، وعيسى لا يهدون غيرهم إلا أن هداهم الله إلى هداية غيرهم، وهذا إنما يأتى على قراءة، أم من لا يهدى بإسكان الهاءين باء مفتوحة ودال مكسورة مخففة.
{ فمالكم } استفهام توبيخ مبتدأ أو خبر { كيف } استفهام آخر مستأنف، وهى حال من الواو بعدها { تحكمون } هذا الحكم الفاسد الذى يقتضى العقل بطلانه، ويوقف الفراء على قوله " لكم " واستأنف بقوله { كيف }.
[10.36]
{ وما يتبع أكثرهم } فى دينه { إلا ظنا } خيالات وأقيسة فاسدة، كقياس ما لم يشاهده على ما شاهدوه، وقياس الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، وذلك من يتناول النظر، ولم يرض بمحض التقليد، وأما القليل فلم يحتج فى إشركه إلى ظن، بل تمسك بمحض التقليد، وقيل المراد بالأكثر الكل، كما تستعمل القليل فى النفى على عكس ذلك. { إن الظن لا يغنى } فى وصول الديانات، ولو أغناه فى طريق الأحكام التى تعبد الناس بظواهرها { من الحق } الاعتقاد الحق فى وصول الدين وهو حال من قوله { شيئا } على أن شيئا مفعول به ليغنى، لتضمنه معنى يزيد أو يبطل بضم الياء وكسر الطاء، أو متعلق بيغنى على أن من بمعنى عن ، فيكون شيئا مفعولا مطلقا واقعا على الإغناء، وقيل المراد بالظن هنا ظنهم أن الأصنام تشفع لهم، وبالحق عذاب الله، فكأنه قيل يوما يتبع أكثرهم فى إثبات شفاعة الأصنام إلا ظنا، أن هذا الظن لا يدفع عنهم شيئا من عذاب الله، وأوعدهم على الإعراض عن البرهان إلى الظن بقوله { إن الله عليم بما يفعلون } فيجازيهم عليه، وقرأ ابن مسعود بالتاء الفوقية على الخطاب، ثم إن بعد المنع من اتباع الظن ببيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه فقال { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله }.
[10.37]
{ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } يفترى مؤول بالمصدر، والمصدر باسم مفعول، أى وما كان هذا القرآن مفترى، قاله ابن هشام، ويجوز تقدير المضاف فلا يؤول المصدر باسم المفعول، أى ما كان حال القرآن افتراء، أو ما كان هذا القرآن ذا افتراء، أى ليس مما يفتريه أحد، وقيل إن صلة التأكيد والافتراء الكذب، وأصله القطع للإصلاح. { ولكن تصديق } خبر لكان محذوفة عند الزجاج، أى كان تصديق أو حال لمحذوف على التأويل بالوصف، أى أنزلناه مصدقا، وإضافته لا تفيد التعريف، لأنه وصف للحال أو للاستقبال، أو مفعول لأجله لذلك المحذوف، أى أنزلناه لأجل تصديق، وقرئ بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أى هو تصديق. { الذى بين يديه } أى الذى تقدمه من كتب الله كالتوراة والإنجيل وغيرهما، فلا يكون كذبا مع أنه معجز دونها، ومعيار لما يزاد فيها أو ينقص منها، وشاهد لما صح عن الله فيها، مع أنها ليست فى بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قومه علماء بها، وقيل الذى بين يديه ما يأتى من أمر الغيب فى زمانه وبعده، كأشراط الساعة. { وتفصيل } بالنصب والرفع على القراءتين، أى نفصل { الكتاب } أى ما فى الكتب من الحلال والحرام، والأحكام والفرائض، فالمراد بالذى والكتاب جنس الكتب، وقيل الكتاب ما فرضه الله. { لا ريب } أى لا شك { فيه } والجملة خبر ثان لكان المقدرة، أو للمبتدأ المقدر فى قراءة الرفع، أو حال من هاء أنزلناه فى أحد أوجه النصب، أو حال من الكتاب، ولو كان مضافا إليه، لأن المضاف مصدر، والمصدر عامل، فإن الكتاب مفعول أضيف إليه المصدر أو مستأنفة. { من رب العالمين } خبر آخر لكان، أو المبتدأ أو حال من هاء أنزلناه أو من الكتاب، أو يتعلق بمحذوف هكذا، ولكن أنزل تصديقا الذى بين يديه، وتفصيلا للكتاب من رب العالمين، أو بتصديق أو تفصيل، ولا ريب فيه معترض، أو حال من هاء لا ريب فيه.
Unknown page