Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
ورجع عمر إلى قول زيد. وروى أنه سمع قارئا بالواو وقال من أقرأك؟ فقال أبى، فدعاه فقال أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتبيع القرظ بالبقيع، قال صدقت، وإن شئت قلت شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم، يشير رضى الله عنه إلى قريش. { رضى الله عنهم } بالتوفيق وقبول الأعمال { ورضوا عنه } بما أفاض عليهم من نعم الدنيا والآخرة { وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار } وقرأ ابن كثير وحده من تحتها كذا فى مصاحف أهل مكة وحدها { خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } جعلنا الله من التابعين بإحسان.
[9.101]
{ وممن } متعلق بمحذوف خبر المبتدأ بعد، ومن للتبعيض { حولكم } أى حول بلدتكم، وهى المدينة، ظرف متعلق بمحذوف صلة من { من الأعراب } متعلق بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى ممن، أو فى حول ومن للبيان { منافقون } مبتدأ، وهؤلاء الأعراب هم جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع نزلوا حول المدينة، وكان بعضهم منافقين، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لهؤلاء القبائل جار على غالبهم، قيل ومن هؤلاء الأعراب عصية ولحيان نزلوا حولها. { ومن أهل المدينة } عطف على ممن، فكأنه قيل وممن حولكم من الأعراب، ومن أهل المدينة منافقون { مردوا على النفاق } عتوا فيه، وأصروا عليه، وبلغوا منه الغاية، أو تدربوا فيه، وتمهروا فى إخفائه، والجملة نعت لمنافقون، فصل بينهما بالمعطوف على الخبر، أو مستأنفة، ويجوز أن تكون نعتا لمبتدأ محذوف، أى قوم مردوا على النفاق، وخبره من أهل المدينة. قال ابن هشام يجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما صالحا لمباشرة أو بعض اسم مقدم محفوظ بمن أو فى كقولهم منا ظعن، ومنا أقام، أى منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام، وهذا أولى من قول الكوفيين ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق، ومنا الذى ظعن، ومنا الذى أقام، لأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال المنعوت بنعته. { لا تعلمهم } منافقين، أو لا تعرفهم بأعيانهم مع كمال فطنتك لإفراطهم فى إخفاء النفاق، وكونهم بصورة المخلصين { نحن نعلمهم } إذ لا يخفى علينا شىء { سنعذبهم مرتين } مرة بالفضيحة، قال الكلبى، والسدى
" قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال " اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان، اخرج يا فلان " "
فيكون قد أعلمه الله بهم بعد، وأسر حذيفة بهم، فكان إذا مات أحد منهم لا يصلى عليه، فلامه عمر لم لا تصلى على مسلم مات؟ فقال لو كنت مثله ما صليت عليك، فقال أمنافق هو؟ قال ما كنت لأخبرك بسر رسول الله، فقال أناشدك الله أنا منهم؟ قال لا، ولا أؤمن بها غيرك، وقيل قال يا أمير المؤمنين إنه من القوم. وفى ذلك دليل لأصحابنا على أن النفاق فى القرآن فعل كبيرة غير شرك، إذ لا يشك عمر فى شرك نفسه، وأجيب بأنه خاف أن يكون فيه كبيرة شرك لم يطلع عليها، أو خاف أن يختم له بالشرك، ومرة بالقتل بأن أظهر الله منهم ما يوجب القتل، أو ما يلحقهم بالمشركين، وقال مجاهد مرة بالقتل والأسر، بأن أظهر الله منهم ما يوجب الحكم عليهم بحكم المشركين، وفيه ضعف، ومرة بالجوع، وعنه المرتان بالجوع. وقال قتادة مرة بخراج فى ظهورهم تنفذ فى صدورهم، ومرة فى القبر، وقال ابن زيد مرة بالمصائب فى الأموال والأولاد، ومرة فى القبر، وعن ابن عباس مرة بالفضيحة، ومرة فى القبر، وعنه مرة بإقامة الحدود، ومرة فى القبر.
وقال الحسن مرة بأخذ الزكاة، ومرة بنهك أبدانهم، وقال ابن إسحاق مرة بفيض الإسلام وجريان حكمه عليهم كارهين، ومرة فى القبر، وقيل مرة بضرب وجههم وأدبارهم عند الموت، ومرة فى القبر، وعن بعضهم مرة بإحراق مسجد الضرار، ومرة بالإحراق بالنار فى القبر، ويجوز أن يكون مرة بالقتل، ومرة فى القبر، ويجوز أن يكون مرة فى الدنيا بكل ما يصابون به، ومرة فى القبر، والصحيح عندى ثبوت عذاب القبر. { ثم يردون } بالبعث { إلى عذاب عظيم } هو عذاب جهنم، وهو عذاب ثالث.
[9.102-103]
{ وآخرون } معطوف على { منافقون } { اعترفوا } أقروا بذنوبهم ولم يعتذروا بباطل، صفة لآخرون، أو آخرون مبتدأ والجملة خبره أو نعته، والخبر { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } أو هذه نعت ثان، وحال من واو اعترفوا والخبر { عسى الله أن يتوب عليهم } لأنه ولو كان إنشاء لكنه فى الحقيقة وعد وإخبار جىء بصورة الترجى ليكونوا فى خوف وطمع ولا يأمن، أو رجح الطمع بقوله { إن الله غفور } للذنب { رحيم } بالإعطاء، وأشار به إلى أن ذلك وعد منجز، أو يقدر القول، أى مقول فيهم عسى الله أن يتوب عليهم. وهؤلاء المعترفون ثلاثة أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس ابن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقال قتادة والحسن هم الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وعنهم أنهم نفر هموا بشىء ولم يعزموا عليه وتابوا منه، وقال ابن عباس عشرة، وعنه خمسة، وقال ابن جبير ثمانية أحدهم على كل قول أبى لبابة، ندموا على تخلفهم بعد نزول القرآن فى المتخلفين وبلوغه لهم، وقالوا كيف تكون فى الظل مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فى الجهاد، وأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سوارى المسجد حين قرب من المدينة فى رجوعه. وقيل
" هم عشرة، أوثق أنفسهم سبعة، وقيل هم سبعة فقط، زعم بعض أن منهم الجد بن قيس، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل المسجد وصلى ركعتين على عادته إذ قدم من سفره، فرآهم موثقين، فسأل عنهم فقيل تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وترضى عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم، " وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " ونزلت هذه الآية فرضى عنهم، وأطلقهم "
، فذنوبهم هو تخلفهم، وهو أيضا العمل السيىء، والعمل الصالح توبتهم، وقيل ذلك على عموم الذنب، والعمل الصالح، ولو كان سبب النزول خاصا. قيل ما فى القرآن أعدل من هذه الآية، وقيل الآية فى أبى لبابة وذنبه، هو قوله لبنى قريظة إن نزلتم على حكم سعد فحكمه الذبح، ندم وربط نفسه بسارية، وحلف أن لا يحل نفسه، ولا يذوق طعاما أو شرابا حتى يموت أو يتوب الله سبحانه عليه، فمكث كذلك سبعة أيام، وخر مغشيا عليه، فنزلت، فقال والله لا أحل نفسى حتى يحلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، وعمله الصالح هو جهاده قبل ذلك، وتوبته هذه، وقيل توبته. وقيل هؤلاء المعترفون قوم من الأعراب منافقون تابوا، وإن قلت توبة الله على عبده قبوله التوبة منه، ولم يذكر الله سبحانه عنهم توبة؟ قلت إنهم تابوا، وأخبرنا الله عنها بقبولها لاستلزامه إياها، وبذكر الغفران والرحمة، لأن الرحمة لمن تاب، وبقوله { اعترفوا } فإن الاعتراف ولو كان مجرده غير توبة لكنه يشير إليها، وإذا قارنه الندم والإصلاح حصلت التوبة.
Unknown page