Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ وجاء المعذرون } هو اسم فاعل عذر بتشديد الذال، يقال عذر بالتشديد فى الأمر إذا إذا قصر فيه، موهما أن له عذرا ولا عذر له، وهم منافقون لم يسروا الشرك، بدليل أنه قابلهم بقوله { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } وهم المنافقون الذين أسروا الشرك، فنفاق المعذرين بالكسل والكذب فى ادعاء العذر، مع أنه لا لهم عذر، أو اسم فاعل اعتذر، فأصله المتعذرون أبدلت التاء ذالا وسكنت بنقل فتحتها للعين وأدغمت. ويجوز فى سائر الكلام فى مثل هذا كسر الفاء، بأن يقال وقع التسكين بلا نقل، فالتقى ساكنان وكسر الأول وهو الفاء وضمهما تبعا للميم، كما فى اسم فاعل يهدى ويخصم بفتح الياء وتشديد ما قبل الآخر، والمعنى جاء الذين اعتذروا، وكونهم غير صادقين فى العذر مستفاد من خارج لا من الصبغة، كما زعم بعض، وقيل هم منافقون أسروا الشرك، وإنما قابلهم بقوله { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } لأن هؤلاء القاعدين أظهروا شركهم بقعودهم بدون اعتذار، بخلاف المعذرين، أو كل منافقون، وخصهم لأنهم لم يعتذروا، وقيل المعذرون مؤمنون عذرهم صحيح، فاعتذارهم الحق. ويجوز على هذا وجه آخر، وهو أن يكون من اعتذر بمعنى بالغ فى طلب اجتهاده، فهم بالغوا فى طلب الغزو معك ولم يقدروا، وبكونهم مؤمنين، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهم، وعليه قراءة الضحاك، والأعرج، وأبى صالح بإسكان العين، ونسبت ليعفوا من قولك أعذر إذا جاء بعذر مقبول واجتهد فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم
" لقد أعذر من أنذر "
أى لا لوم على من أعذر، أى جاء بعذر بين وهو الإنذار، وقرأ مسلمة بتشديد العين والذال، على أن الأصل المتعذرون، أبدلت التاء عينا، وأدغمت فى العين، وهو لحن مردود عليه ليعد مخرج التاء من العين، فلا تبدل وتدغم، وقرأ سعيد بن جبير المتعذرون بتاء قبل العين وهو صحيح. { من الأعراب } عرب البادية { ليؤذن لهم } فى القعود فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا من أسد وغطفان، يعتلون بقلة المال، وكثرة العيال، وقال مجاهد، وابن إسحاق من غفار منهم خفاف بن إيماء بن رخصة، وهذا يقتضى أنهم مؤمنون، ونص مجاهد أن الله لم يعذرهم، وقال الضحاك
" من رهط عامر بن الطفيل، قالوا إن غزونا معك أغارت أعراب طيىء على أهلينا أو مواشينا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سيغنينى الله عنكم ".
{ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } أى لم يأتوها بصدق ما فى ألسنتهم من أنهم غير مشركين، أو من أنهم آمنوا أو أخلصوا، وليسوا بمخلصين إذ قعدوا بلا عذر ولا استئذان، جرأة على الله ورسوله، وعن أبى عمرو بن العلاء أنهم هم المعذرون، وعليه فقعدوهم بعد اعتذار، ويكون الذين حينئذ موضوعا موضع الضمير يشفع عليهم بما تضمنته الصلة من الكذب فى الاعتذار، كذا ظهر لى فى توجيه قوله، وقرأ أبى والحسن فى الرواية المشهورة عنه بتشديد الذال، وهو أنسب بالإشراك.
{ سيصيب الذين كفروا منهم } من للبيان، ويجوز أن تكون للتبعيض، فيعتبر فى الكفر الإصرار عليه، فيخرج البعض الذى لم يصر بأن تاب، والكفر يعم النفاق والشرك، ومن النفاق القعود عن الخروج لمجرد الكسل لا شكا، والهاء للمعذرين، أو للأعراب، أو للقاعدين { عذاب أليم } فى الآخرة بالنار، وبالقتل فى الدنيا أيضا لمن أشرك أو فعل موجب القتل، وبالأسر لمن أشرك.
[9.91-92]
{ ليس على الضعفاء } كالشيوخ والصبيان والنساء، ومن هو فى أصل خليفته ضعيف أو نحيف لا يستطيع الغزو { ولا على المرضى } شامل للزمنى، والعرج، والعمى، وكل ذى علة حدثت فى بدنه تمنعه كمرض. { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } فى مؤنة السفر والغزو، كزاد وراحلة، وسلاح وطعام، كجهينة ومزينة وعذرة قبائل فقراء، وقيل نزلت فى بنى مقرن، وهم ستة إخوة صحبوا النبى صلى الله عليه وسلم وهم من مزينة، وليس فى الصحابة ستة إخوة غيرهم، وقيل فى عبد الله بن معقل المزنى، وقيل فى رجل من مزينة، سواء ثم أطلقت على اسمه وهو عائذ بن عمرو، واللفظ يشمل أيضا من ليس سببا فى النزول. { حرج } إثم فى التخلف، وإن خرج من كان كذلك منفعة كحفظ المتاع، وتكثير السواد لكان له أجر عظيم إن كان لا يلقى نفسه فى التهلكة، ولا يكون كلا { إذا نصحوا لله ورسوله } بالإيمان والطاعة، سرا وعلانية، والحب والبغض فى الله ورسوله، أو يحفظ البلد، والتحرز عن إنشاء الأراجيف، وإثارة الفتنة، وإيصال الخير إلى أهل المجاهدين، والقيام بمصالح بيوتهم، وقرأ أبو حيوة بالنصب وإسقاط اللام، وعن قتادة نزلت الآية فى ابن أم مكتوم وكان أعمى. { ما على المحسنين } الناصحين المعذورين، وأقام الظاهر مقام المضمر ليصفهم بالإحسان فلا يبقى للعتاب لهم وجه { من سبيل } طريق إلى عتابهم، أو تأثيمهم، فإنهم سدوا بإحسانهم تلك الطريق { والله غفور رحيم } للمسيئين إذا تابوا، فكيف بالمحسنين، أشار إليه ابن عباس رضى الله عنهما وقيل لهم { ولا على الذين } عطف على قوله { على الضعفاء } أو قوله { ولا على الذين لا يجدون } أو قوله { على المحسنين } { إذا ما } صلة مؤكدة لإثباتهم أنه حقيق صادقون فيه، والله أعلم { أتوك لتحملهم } على الدواب لغزو، وعن بعضهم على الخفاف المرقعة، والنعال المخصوفة، وعن الحسن بن صالح على النعال، قال بعض إطلاق الحمل على التنعيل شاذ، وبالجملة أنهم لو وجدوا أدنى ما يركب ويحمل عليه ما يحتاجون إليه لخرجوا، وقرأ لتحملهم بالنون. { قلت لا أجد ما أحملكم عليه } الذى عندى أن جملة قلت بدل اشتمال من أتوك، فإن قوله قوله { لا أجد ما أحملكم عليه } من سببيات إتيانهم للحمل، أو حال مقارنة، لأن المقارنة إما متعقبة لمعنى عاملها بلا فضل زمان كما هنا، وإما واقعة معه فى وقت واحد، وتقدر قد على هذا، ويجوز أن تقدروا أو معترضة على طريق الاستئناف البيانى، وأصلها بعد الجواب وهو قوله { تولوا } كأنه لما قيل تولوا { وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } قيل ما لهم تولوا باكين حزنا، فأجيب بأنه قال لهم لا أجد ما أحملكم عليه، ثم قدم على الجواب، وقال الجرجانى معطوف بعاطف محذوف، أى وقلت وقدر بعضهم الفاء وهو حمل على القليل إذ حذف العاطف وحده فى السعة قليل، ولا سيما على تقدير غير الواو، وأجاز بعضهم كون الجواب هو قلت، وتولوا مستأنف، ومن الدمع قال جار الله والقاضى فى محل نصب على التمييز، ومن للبيان وهو باطل من حيث الصناعة، ولو صح من حيث المعنى، وقيل من صلة، والدمع تمييز بتاء على جواز زيادة من مع المعرفة، وتعريف التمييز، وقيل من صلة، والدمع بدل اشتمال من الضمير فى تفيض، وذلك أبلغ من قولك يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأنها دمع، أى فائض، وحزنا مفعول لأجله ناصية تفيض، أو حال من الهاء مبالغة، أو بتقدير ذوى حزن أو بتأويله بحزنين أو مفعول مطلقا بمحذوف دل عليه تفيض { ألا يجدوا } أى لئلا يجدوا متعلق بحزنا أو بتفيض، أى لأنهم لا يجدون إذا لم تحملهم وتنفق عليهم { ما ينفقون } على تملك الحمولة وعليها وعلى أنفسهم، فيتعذر غزوهم وهم سبعة من الأنصار، سموا البكائين لبكائهم فى ذلك، معقل بن يسار، وعبد الله بن كعب، وعلبة بن يزيد، وصخر بن خنساء، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن معقل.
[9.93]
{ إنما السبيل } بالمعاتبة والعاقبة { على الذين يستأذنونك } فى التخلف { وهم أغنياء } قادرون على الخروج معك، زعم بعض أن إنما هنا للمبالغة والتأكيد دون الحصر، قلت بل هى للحصر الإضافى، كأنه قيل على الأغنياء القادرين، لا على المعذورين، فليس عدم وجود السبيل إلى غير هذه الفرقة مانعا للحصر فافهم، بل يجوز أن يراد بالسبيل الكامل فى المعاملة، وهو يتوجه إلى من اتصف بالغناء، ولنا سبيل أخرى غير كاملة تتوجه إلى من له قدرة ما، ولكنه لا يتصف بالغناء، فالمراد على هذا حصر السبيل الكامل فى العتاب على الأغنياء فافهم، هذا ما ظهر لى فى ثبات الحصر، ثم استأنف ذمهم مبينا للسبب استئذانهم فى التخلف بلا عذر، وهو رضاهم بالدناءة إيثارا للراحة إذا قال { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم } فغفلوا عن سوء العاقبة وما طبعه إلا خذلانه، وليس بخير { فهم لا يعلمون } ما فى الجهاد من الخير، وما التخلف من الضير، نزل ذلك فى الجد بن قيس، ومعتب وعبد الله ابنى أبى ونحوهم وقد مر.
Unknown page