Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
وفى رواية قال
" يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجنى مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائى من الطلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلى وغنمى بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال صلى الله عليه وسلم " لا حاجة لى فى إبلك " ودعا له، فانطلق راجعا لا يلقى أحدا إلا قال كفيتم ما هنا ورده "
، ولامه أبو جهل على رجوعه بلا شىء، فقال سراقة مخاطبا له
أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمرى جوادى إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه عليك بكف القوم عنه فإننى أرى أمره يوما ستبدو معالمه بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرأ يسالمه
" وروى أن راعيا عرف خبرهما فأسرع إلى قريش يعلمهم، فلما ورد مكة ضرب على قلبه فما يدرى ما يصنع، وأنسى ما جاء له حتى رجع إلى موضعه. ومرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن، فقال ما عندى شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا حملت عام أول فما بقى لها لبن، فقال " ادع بها " فاعتقلها صلى الله عليه وسلم، ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بشىء كالترس، يوضع على الرأس يقى من يمشى بين الشجر من الشوك يسمى المجن، فحلب فسقى فيه أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعى، ثم حلب فشرب، فقال الراعى بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك؟ فقال " أو تراك تكتم على حتى أخبرك؟ " قال نعم، قال " إنى محمد رسول الله " فقال أنت الذى تزعم قريش أنه صاب، قال " إنهم ليقولون ذلك " قال فأشهد أنك نبى، وإنما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى وأنا متبعك، قال " إنك لن تستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا " ".
ولقى الزبير فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا، وكان الناس يعرفون أبا بكر، ولا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون من هذا؟ فيقول رجل يهدينى السبيل، يعنى دين الله، ويظنون أنه أراد الطريق فى الأرض، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفاء أمره. ولما سمع المسلمون بالمدينة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة وهى الأرض التى يعلوها حجارة سود ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، وكان الإسلام فيهم من البيعة التى بايعوه إياها فى الموسم، وانقلبوا يوما بعد ما أطالوا الانتظار، فلما آووا إلى بيوتهم، أو فى رجل من اليهود على بناء رفيع لهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذوى ثياب بيض، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى نفسه فنادى بأعلى صوته يا بنى قيلة وهم الأوس والخزرج، هذا جدكم أى حظكم ومطلوبكم قد أقبل، وقيل قال يا معشر العرب هذا جدكم الذى تنتظرونه، فخرجوا سراعا بسلاحهم، فتلقوه صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة يعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم فى بنى عمرو بن عوف بقباء. وقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وإنما كانت الغمامة والملائكة تظلله قبل البعثة. وقدم فى أول يوم من ربيع الأول، وقيل ليلتين منه، وقيل لاثنتى عشرة منه يوم الاثنين وهو صحيح، وقيل لثلاث عشرة، ويجمع بين هذين بالاختلاف فى رؤية الهلال، وقيل لاثنتين وعشرين.
قال ابن حزم خرجا من مكة، وقد بقى من صفر ثلاث ليال، وأقام على بمكة بعد مخرج النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع ربيع الأول، وقيل ثامن عشرة، وأقام مع النبى صلى الله عليه وسلم ليلة أو ليلتين، وأمر صلى الله عليه وسلم بالتاريخ فكتب من حين الهجرة. وقيل إن أول من أرخ عمر، وجعله من المحرم، وأقام صلى الله عليه وسلم بقباء فى بنى عمرو بن عوف اثنين وعشرين يوما، وقيل أربعة عشر يوما، وقيل يوم الاثنين والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء الذى أسس على التقوى، وهو أول مسجد بنى فى الإسلام، وأول مسجد صلى فيه صلى الله عليه وسلم بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة، وأما ما تقدمه من المساجد فلخصوص بانيه، مثل الذى بناه أبو بكر بفناء داره، وذلك أن الدين أسرع فى أهل أبى بكر كما قالت عائشة لم أعقل أبوى إلا وهما يدينان الدين، أى يعتقدانه ويخضعان له، ولم يمر علينا يوم إلا أتانا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة وعشية، طرفى النهار. وضيق المشركون على المؤمنين، فخرج أبو بكر نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد، وهو موضع بخمسة ليال من مكة مما يلى ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار، وقيل قليب ماء لبنى ثعلبة، لقبه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أخرجنى قومى، فأريد أن أسيح فى الأرض فأعبد ربى، فقال مثلك يا أبا بكر لا يخرج، إنك تكسب المعدوم بضم التاء على حذف مفعول، أى تملك الشىء المعدوم من لا يملكه أو بفتحها، أى تحصل بكسبك ما عدمه الناس، وتصل الرحم، وتحمل الكل، ، أى المنقطع أو ما يثقل من حقوق الناس، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، أى مثل الدية وسائر المغارم، فأنا لك جار، أى ناصر وحافظ، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع مع ابن الدغنة بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون، وأطاف فى أشراف قريش وقال إن أبا بكر لا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ، ويقرى الضيف، ويعين على نوابب، الحق. فأنفذت قريش جواره وأمنوا أبا بكر وقالوا له مره يعبد ربه فى داره ويصلى ويقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يعلن فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال لأبى بكر ذلك ففعل، ثم بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه، وينتصب، فيه أبناء المشركين ونساؤهم يعجون منه، وكان لا يملك عينيه من البكاء إذا قرأ القرآن، فأتوه فقالوا إنه قد ظهر أمره وكرهنا هو أن يحقرك، فيرد لك جوارك، فأتاه فقال له أخف أمرك أو رد إلى جوارى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى حقرت فى رجل عقدت له، قال أبو بكر فإنى رددت إليك جوارك، وأرضى بجوار الله.
" وأراد الخروج من مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اصبر فلعل الله يسهل فى الصحبة، وإنى أرجو أن يؤذن لى فى الهجرة، وقد رأيت دار هجرتكم حرة سبخة، ذات نخل بين لابتين " أى جبلين فقال له هل ترجو ذلك يا رسول الله بأبى أنت وأمى؟ قال " نعم " فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر، فخرج إلى الغار معه، ثم خرجا منه حتى نزلا ببنى عمرو بن عوف فى قباء "
، على حد ما مر. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركتهما الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن كان معه من المسلمين وهم مائة فى بطن رانوناء، براء ونونين ومد بوزن عاشوراء، فيسمى مسجد الغيب، ومسجد الجمعة، وهو صغير، بنى بجحارة قدر نصف القامة، وهو يمين السالك إلى قباء، وركب منه على راحلته إلى المدينة، قال أنس وهو مردف أبا بكر قال وأبو بكر شيخ يعرف والنبى صلى الله عليه وسلم غير شيخ ولا يعرف، وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر " اله الناس عنى " فيلقاه الرجل فيقول يا أبا بكر من هذا الذى بين يديك، فيقول رجل يهدينى السبيل، يريد سبيل الخير، ويحسبون أنه أراد الطريق، ويلقاه الرجل فيقول من أنت؟ فيقول باغى حاجة، فإذا قيل من هذا معك؟ قال هذا يهدينى السبيل، وكان فيهم من يعرف أبا بكر لأنه مر بهم مسافر إلى الشام. وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسن من أبى بكر، لكنه لم يشب يومئذ، ولم يكن من الذين هاجروا أشمط غير أبى بكر،
" وكان صلى الله عليه وسلم كل ما مر على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يا رسول الله هلم إلى القوة والمنعة، فيقول " خلو سبيلها، يعنى ناقته، فإنها مأمورة " وقد أرخى زمامها وما يحركها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مربد، أى منشر للتمر، وهو لسهل أو سهيل ابنى رافع بن عمرو، وهما يتيمان فى حجر معاذ بن عفراء، أو سعد بن ذرارة وهو الصحيح، ثم ثارت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، حتى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى، ثم ثارت منه ورجعت خلفها، وبركت فى مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض، أى باطن عنقها أو مقدمه، وصوتت من غير أن تفتح فاها، ونزل عنها، صلى الله عليه وسلم، وقال " هذا المنزل إن شاء الله " واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، ومعه زيد بن حارثة "
Unknown page