Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ يحلونه } مستأنف لبيان الضلال، أو حال من الذين، أو يحلون النسىء وهو التأخير، بأن يجعلوه حلالا فيؤخروا شهرا ويحرمون مكانه شهرا آخر، وأرجع بعضهم الهاء إلى الشهر المفهوم من المقام، وبعض إلى النسىء على أنه بمعنى الشهر المؤخر على معنى إنما إنساء النسىء زيادة فى الكفر. { عاما } ظرف { ويحرمونه عاما } آخر، أى يتركونه على حرمته فى العام الآخر { ليواطئوا } يوافقوا متعلق بيحلونه، أو يحرمونه على التنازع، أو بمحذوف يتضمن ذلك التحليل، وذلك التحريم، أى ينسأون أو يفعلون ذلك ليواطئوا، وقرأ الزهرى ليوطئوا بالتشديد. { عدة ما حرم الله } وهو أربعة الأشهر، يوافقون عدها دون أعيانها كلها، وقد يوافقون بعض أعيانها { فيحلوا ما حرم الله } أى يزيلون الحرمة عما جعلها الله له بمراعاتهم العدد، دون الوقت المعين. { زين } وقرىء بالبناء للفاعل وهو الله، وقال ابن عباس الشيطان ونصب سوء { لهم سوء أعمالهم } قبيحها فحسبوه حسنا، كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها، فكانوا إذا توالت حرمة ذى القعدة، وذى الحجة، والمحرم، صعب عليهم وأملقوا، وكان بنو فقيم من كنانة أهل دين فى العرب، وتتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام فيما يزعمون، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم، فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد بن حذيفة، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وعليه ورد الإسلام. وقيل هو أول من أحدث ذلك كان يقوم على جمل فى الموسم فينادى بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم فى القابل فيقول إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. وقال الكلبى أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له نعيم ابن ثعلبة، يكون على الناس فى الموسم، فإذا هموا بالصدر خطبهم وقال أنا الذى لا يرده ما قال، لا أجاب ولا أعاب، فيقول له المشركون لبيك، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا، فإن أحل لهم المحرم كان صفر حراما. وعن ابن عباس أول من فعل ذلك عمرو بن يحيى بن قمعة، وهو أول من سيب السوائب ورآه صلى الله عليه وسلم فى النار، وإذا أحلوا المحرم وحرموا صفرا سموا ربيعا الأول صفرا، وربيعا الآخر ربيعا الأول، وهكذا فتكون السنة من ثلاثة عشر شهرا، قال مجاهد فيحجون فى كل شهر عامين، فكانت حجة أبى بكر فى ذى القعدة حقيقة، وهم يسمونه ذا الحجة، وقيل فى ذى الحجة.
" وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فى ذى الحجة حقيقة، وخطب فى منى وقال " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان " وقال " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وهو يوم النحر فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، وستلقون ربكم يسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أوعى من بعض من يسمعه " ثم قال " ألا هل بلغت، ألا هل بلغت " قالوا نعم، قال " اللهم اشهد "
وإنما نسب رجبا إلى مضر لأن قبائل ربيعة تجعل رجبها رمضان، بخلاف قريش ومن تابعهم. وكان أول السنة المحرم، لأن عمر دون ديوان المسلمين وأرخه بالمحرم، أو لأن سفينة نوح رست فيه، وقال قوم كانوا يحلون المحرم ويحرمون صفرا، ويحرمون المحرم من قابل، ويحلون صفرا، وكانوا يسمونهما الصفرين، ولو فرضنا أنهم حرموا صفرا وأحلوا المحرم قبله، وفى السنة الثانية أحلوهما وحرموا ربيعا الأول، وفى الثالثة أحلوهن وحرموا ربيعا الآخر وهكذا، أرجع التحريم إلى المحرم فى الثانية عشر، لكنهم قد يفعلون ذلك، وقد يفعلون غير ذلك، وقد يحلون رجبا ويحرمون شعبان، فيحلون ذا القعدة، ويحرمون صفرا، وقد يحلون ذا القعدة فيحرمون مع المحرم صفرا وربيعا الأول، ويفعلون نحو ذلك. { والله لا يهدى القوم الكافرين } الذين سبقت شقاوتهم هداية توفيق، وأما هداية البيان فقد هداها كل كافر، وهكذا فى مثل الآية، وقد مر الكلام فى مثلها.
[9.38]
{ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله } أى إذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقلوا بسرعة فى سبيل الله للجهاد، وأصل النفر التنقل من مكان إلى آخر لأمر يحدث، والمضارع ينفر بكسر الفاء فى بنى آدم، وبضمها فى الدواب كذا قيل، تضم وتكسر فيهما ويستعمل أيضا النفر فى مطلق الذهاب، والخطاب لمن لم ينفر فى غزوة تبوك. { اثاقلتم إلى الأرض } تباطأتم، وعدى بإلى لتضمنه معنى الإخلال والميل، فهو مثل قوله
أخلد إلى الأرض
وهذا جواب إذا، وإذا جوابها وشرطها حال من الكاف فى قوله { ما لكم } أو هذا حال وجواب إذا محذوف مدلول عليه به، وهو بمعنى المضارع لكونه دليل جواب، والأصل تثاقلتم أبدلت التاء المثناة مثلثة، وسكنت وأدغمت فى المثلثة بعدها، فكان أول الكلمة ساكنا، فجلبت همزة الوصل، وقد قرأ الأعمش تثاقلتم بتاء مثناة فثاء مثلثة على الأصل، وقال أبو حاتم قرأ الأعمش تثاقلتم بمثناتين فمثلثة، ولا يصح ذلك، إذ لا تزاد فى أول الماضى تاءان، وقرىء أثاقلتم بقطع الهمزة مفتوحة على الاستفهام التوبيخى، وقد سقطت همزة الوصل، وعلى هذا فجواب إذا محذوف قطعا دل عليه اثاقلتم بهمزة استفهام تقديره اثاقلتم بهمزة الوصل، أو أبطأتم أو نحو ذلك، أو دل عليه ما لكم، فإنه بمنزلة ما تصنعون. { أرضيتم } استفهام توبيخ { بالحياة الدنيا من الآخرة } عوض الآخرة، فمن للبدلية متعلقة بمحذوف حال من الحياة، أو برضيتم، والدنيا مؤنث الأدنى، أى الحياة التى هى قرينة الزوال، أو دنية خسيسة، وهو خارج عن التفضيل، وهذا دليل على أن تثاقلهم كان بسبب حب الحياة ونعيمها، والمال والأهل والولد والزهد عن نعيم الآخرة. { فما متاع الحيوة الدنيا } أى إن رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فليست منفعة الحياة الدنيا التى تتمتعون بها فى الحياة الدنيا { فى الآخرة } أى فى جنب الآخرة ومقابلتها { إلا قليل } لنقصانه وتكدره وفنائه، بخلاف نعيم الآخرة، وفى متعلقة بنعت محذوف، أى المعتبرة فى جنب الآخرة، أو بنسبة الخبر إلى المبتدأ.
[9.39]
{ إلا } إن لا { تنفروا } إذا ما استنفركم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم { يعذبكم عذابا أليما } فى الآخرة، وقيل فى الدنيا بقحط أو ظهور عدو أو نحو ذلك، وعن ابن عباس استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا من العرب فلم ينفروا، فعذبهم الله بالقحط وإمساك المطر، وقول بعضهم إن العذاب الأليم مختص بالآخرة غير مقبول، وكم من عذاب أليم فى الدنيا. { ويستبدل } بكم { قوما غيركم } مطيعين لله ورسوله كأهل اليمن، وأبناء فارس، ينصرون دين الله إن خذلتموه، وقيل يهلككم بالعذاب، ويستبدل قوما غيركم ينصرونه، وعن ابن جبير، عن ابن عباس أبناء فارس، وقيل أهل اليمن. { ولا تضروه } أى الله بتثاقلكم فى نصرة دينه، فإن الله غنى عن العالمين فى النصر وغيره، لا يصله ضر من مخلوق ولا نفع، وإنما تضرون أنفسكم، أو الهاء لسبيل الله، وقيل هى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أى لا تضروه بالخذلان، لأن الله وعده النصر وهو ناصره حقا، وهو أنسب بالسياق اللاحق { والله على كل شىء قدير } فإن شاء نصر دينه ونبيه بلا جنود. قال الحسن، وعكرمة هذه الآية منسوخة لقوله
وما كان المؤمنون لينفروا كافة
Unknown page