1012

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[6.140]

{ قد خسر الذين قتلوا } وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد التاء للتكثير، لأن الموءودات كثيرات لا للتعظيم، لأن القتل لا يتفاوت، اللهم إلا أن يعتبر بما زاد تعذيبا ولا يحتمل الحياة { أولادهم سفها بغير علم } سفها مفعول مطلق لخسر، لأن السفه خسران، أو لمحذوف أى سفهوا سفها، والجملة بدل من الأولى بدل مطابق، أو سفها مفعول لأجله ناصبه خسر، أو حال أى ذوى سفه أو سفهاء أو هم سفهاء مبالغة، ويدل للحال قراءة بعضهم سفهاء جمع سفيه، وبغير علم نعت سفهاء، والسفه خفة العقل والجهل، ويجوز إطلاقه على الخسران، لأن الخفة والجهل سبب للخسران، والمراد الذين يقتلون بناتهم مخافة أن لا تزوج فى التزوج إن كانت ذميمة، أو مخافة الفقر والسبى أو الغيرة بشئ تأتيه، وربما أخذت أحدهم الغيرة أن توطأ ابنته. والمذكور فى القرآن القتل خوف الفقر لقوله تعالى { من إملاق } وصفهم الله بالخسران إذ خسروا الجنة، وخسروا أولادهم، وهم نعمة من الله لهم فى النفع، وزيادة العدد، وصفهم بالسفه إذ جهلوا لأنهم آكلون للرزق لا رازقون، فرزقهم وزرقهن عند الله، وكان قتل البنات فى ربيعة ومضر، وجمهور العرب لا يفعلون ذلك، وقيل فى ربيعة ومضر وبعض العرب، وكان أيضا فى بعض غير العرب، وكانوا يقتلونهن بالدفن وبالإلقاء فى بئر بعيدة القعر، وقد تفعل المرأة ذلك بقهر زوجها لها على ذلك بالظهار، وذلك عندما تلدها، وظل وجهه مسودا، تلدها مثلا فى العدو، فيقول لزوجته الوالدة لها أنت على كظهر أمى إن رجعت فى الزواج ولم تئديها، فتحفر لها حفرة فترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها بينهن، فإذا أبصرنه راجعا دستها فى حفرتها وسوت عليها التراب. وروى أنه

" كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال مغتما بين يديه، فقال صلى الله عليه وسلم " مالك تكون مخزونا؟ " فقال يا رسول الله إنى قد أذنبت ذنبا فأخاف أن لا يغفر لى وإن أسلمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخبرنى عن ذنبك " فقال يا رسول الله إنى كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لى بنت فشفعت إلى امرأتى أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء، فخطبوها فدخلت على الحمية فلم يحملنى قلبى على أن أزوجها أو أتركها فى البيت بلا زوج، فقلت للمرأة إنى أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا فى زيارة أقاربى فابعثيها معى، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى، وأخذت على المواثيق بأن لا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت فى البئر ففطنت الجارية أنى أريد أن ألقيها فى البئر، فالتزمتنى، يعنى التصقت بى تضرعا كالمصافح المعانق، وجعلت تبكى وتقول يا أبتى أى شئ تريد أن تفعل بى، فرحمتها ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية فالتزمتنى وجعلت تقول يا أبتى لا تضيع أمانة أمى، فجعلت مرة أنظر إلى البئر، ومرة أنظر إليها فأرحمها، فغلبنى الشيطان فأخذتها فألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا أبى قتلتنى، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها، فرجعت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال " لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك بما فعلت "

وكانوا يقولون للملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فكانوا يقتلون إلحاقا به بالموت. { وحرموا ما رزقهم الله } من الحوامى والسوائب والبحائر والوصائل، ونصيب الأصنام من الحرث والأنعام { افتراء على الله } إذ قالوا حرمها الله وهو مفعول مطلق للتحريم، لأنه منه أو تعليل له أو حال، أى ذوى افتراء أو مفترين، أو نفس افتراء مبالغة { قد ضلوا } عن الحق فى ذلك { وما كانوا مهتدين } فيه إلى الحق، أو ضلوا بذلك وليسوا قبله بمهتدين. قال ابن عباس من أراد أن يعلم جهالة العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام { قد خسر الذين قتلوا } إلى { وما كانوا مهتدين } ذمهم الله جل وعلا بالخسران والسفاهة وعدم العلم، أو تحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله والضلال وعدم الاهتداء.

[6.141]

{ وهو الذى أنشأ } خلق بإبداع { جنات } من بين الكروم { معروشات } مرفوعات الكروم على بناء يبنى لها، أو على نحو خشب تغرز أو تمدها فتكون عليها { وغير معروشات } غير مرفوعات لم يبن لها ذلك، ولم يغرز فتكون منبسطة على الأرض، يقال عرشت الكرم أعرشه بالتخفيف وبالتشديد إذا جعلته عريشا، أى سقفا على ما غرز له أو بنى، أو رفعته على سقف سابق، واعترش الكرم صار عريشا على غيره أى سقفا، أو على سقف فالجنات المعروشات، وغير المعروشات، كلها من الكروم، وذلك قول الضحاك ومجاهد، ويسمى الكرم عريشا. وقال ابن عباس والكلبى المعروشات كل ما ينفرش على الأرض ولا ساق له، فيكون كسقف عليها كالكروم والقرع والبطيخ، وفيه نظر، فإنه لا يعهد نحو نبات القرع والبطيخ فى جنات، وغير المعروشات ما لا يكون كالسقف على الأرض، لأن له ساقا يرفعه كالنخل والزرع وغير ذلك، ونسب أيضا لابن عباس القول الأول، وقيل المعروشات ما من شأنه أن يعرش عرش أو لم يعرش وهو ما فى البساتين المتخذة عند القرى والأمصار من الكروم وغيرها، وغير المعروشات ما كان فى البرارى والجبال من الكروم وغيره، فإنه لمن شأنه أن لا يعرش، وفيه نظر، لأنه لا تعهد تسمية الشجرة الواحدة أو اثنين جنة، ولا تعهد الكثرة والاتصال فى البرارى إلا أن يعد شجر البرارى المثمرة، وقيل المعروشات الكروم، وغير المعروشات ما ينبت على الأرض ينبسط عليها. { والنخل والزرع } ذكرهما بالعطف على الجنات إذا لم يدخلا فى المعروشات وغير المعروشات وعلى دخولهما، فذكرهما لأنهما المقصود الأصلى، وكذا ذكر الزيتون والرمان والزرع وكلما يحرث كالبر والشعير ونحوهما، وكاللفت والجزر ونحوهما. { مختلفا أكله } حلاوة وحموضة، وجودة ورداءة، وهيئة وقدرا ولونا، والهاء للزرع والنخل وغيرهما، بتأويل ما ذكر، ولذلك أفرد، أو أفرد باعتبار فرد فرد على العموم البدلى، أى أكل كل واحد أو الهاء لأقرب مذكور وهو الزرع، ويعلم الباقى بالقياس عليه، قيل أو للنخل والباقى يحمل عليه، واختص لأنه أول بالنسبة للزرع، فهو كالعمدة مع فصله عما بعده، ومختلفا حال مما عادت إليه هاء أكله وهى مقدرة لا مقارنة، لأنه حال لأنشأ ليس فيه ما يؤكل، فضلا عن أن يختلف هذا الذى يؤكل، والأكل بضم الهمزة ما يؤكل وهو ثماره، لكن الضم منقول عندنا للتنوين. { والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه } يتشابه بعضه مع بعض، ولا يتشابه بعضه مع الآخر لونا وطعما، وقدرا وهيئة، وورقا وثمرا، ومر كلام فى ذلك عند قوله

وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات

الآية فإن هذه الآية وتلك سواء ذكر فيهما أنواعا خسمة، ولكن اختلف الترتيب بينهما، ذكر هنالك الحب والنخل أولا لكونهما العمدة، وذكر هنا العنب أولا لكونه ألذ مع ما زاد من تطريته بتنويعه إلى معروش وغيره، إذا قلنا إنه العنب، وذكر هنا متشابها مرتين، وهنالك الأول مشتبها ، والأخير متشابها لزيادة التأكيد هنا، فإن متفاعلا أبلغ من مفتعل، لأن التفاعل للمسابقة أظهر، وما للمسابقة يشتد التفاوت فيه، واختص المبالغة بما هنا لأنه ثان بالنسبة لما هنالك، وهكذا كان مترفا تزداد تشديدا وكالمبالغة بثم فى قوله

كلا سوف تعلمون* ثم كلا سوف تعلمون

دالة على ازدياد الإنذار والتشديد فيه، وقال هنالك

Unknown page