Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
وكذا أطمع فيما أبتغي . . . فإذا فات فما لي والطمع فحصول المطلوب أو اليأس من تحصيله بدء السكينة فيما يطلب وكذلك على ما يليق به يكون مايخاف منه فاعلم ذلك فإذا أكمل الانسان شرائط الايمان وأحكمها حصل من الحق تجل لقلب هذا المؤمن الذي هو بهذه الصفة يسمي ذلك التجلي ذوقا هو بدء جعل السكينة في قلبه لتكون تلك السكينة له بابا أو سلما إلى حصول أمر مغيب يقع له الايمان به فيكون معه وجود السكون لما أعطاه الأمر الأول لكونه يصير أمرا معتادا مثل سكون من تعود الأسباب إلى الأسباب ولا يكون ذلك عن غيب أصلا بل عن ذوق وهو المعاينة فان الانسان إذا كان عنده قوت يومه سكنت نفسه لما يعطيه قلق يومه لمعاينة ما عنده بحصوله تحت ملكه فان حصل الايمان عنده بهذه المثابة تحت حكمه فهو صاحب سكينة وان كان الانسان تحت حكم الايمان نازعه العيان فلم تحصل سكينة وأعلم ان المعاني التي تتصف بها القلوب قد يجعل الله علامة على حصولها في نفوس من شاء من عباده ان يحصلها فيه علامات من خارج تسمى تلك العلامة باسم ذلك المعنى الذي يحصل في نفسه من الله وانما يسميه به ليعلم ان تلك العلامة لحصول هذا المعنى نصبت مثل قوله تعالى في تابوت بني إسرائيل ' ان الله قد جعل فيه سكينة ' وهي صورة على شكل حيوان من الحيوانات أختلف الناس في أي صورة حيوان كانت ولا فائدة لنا في ذكر ماذكروه في صورتها فكانت تلك الصورة إذا هفت أو ظهرت منها حركة خاصة بصروا فسكن قلبهم عند رؤية تلك العلامة من تلك الصورة التي سماها سكينة وان السكينة المعلومة انما محلها القلوب فلم يجعل لهذه الأمة علامة خارجة عنهم على حصولها فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها فهي الأمر الدليل على نفسها ما تحتاج إلى دليل كما كان في بني إسرائيل فبدء لسكنية وأما السكنية الذي تسكن له النفس لما وعدت به أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما وسميت سكينة لانها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس ومنه سمى السكين سكينا لكون صاحبه يقطع به ما يمكن قطعه به وهذا اللفظ مشتق من السكون وهو الثبوت وهو ضد الحركة نقلة فالسكينة تعطي الثبوت على ما سكنت إليه النفس ولو سكنت إلى الحركة هذا حقيقتها ولا يكون ذلك ألا عن مطالعة أو مشاهدة فتنزل عليهم وهم مؤمنون فتنقلهم بنزولها عن رتبة ما كانوا به مؤمنين إلى مقام معاينة ذلك وهو تضاعف إيمانهم بالعيان ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ألا ترى إلى قوله تعالى ' أذ يغشاكم النعاس أمنة منه ' ألا ان الأمنة هي السكينة لاغيرها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
السؤال الثامن والعشرون
ما العدل الجواب العدل هو الحق المخلوق به السموات والأرض فسهل ابن عبد الله وغيره يسميه العدل وأبو الحكم عبد السلام بن برجان يسميه الحق المخلوق به لانه سمع الله يقول ' ما خلقناهما ألا بالحق وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ألا بالحق ' وبالحق انزلناه أي بما يجب لذلك المخلوق مما تقتضيه حالة خاصة بقوله تعالى ' ثم هدى ' أي بين انه أعطى كل شيء خلقه أي ما خلقه ألا بالحق وهو ما يجب له فالعالم على الحقيقة هو الله الذي علم ما تستحقه الأعيان في حال عدمها وميز بعضها عن بعض بهذه النسبة الأحاطية ولولا ذلك لكانت نسبة الممكنات في قضية العقل فيما يجب لها من الوجود نسبة واحدة وليس الأمر كذلك ولا وقع كذلك بل علم سبحانه ما يتقيد من الممكنات في وجوده بأمس لايمكن عنده ان يوجده اليوم ولا في غد فانه من تمام خلقه تعيين زمانه وهو القدر وهي الأقدار أي مواقيت الأيجاد فهو سبحانه يخلق من غير حكم قدر عليه في خلقه والمخلوقات تطلب الأقدار بذاتها فأعطى كل شيء خلقه من زمانه فيمن يتقيد وجوده بالزمان ومن حاله فيمن يتقيد وجوده بالحال ومن صفته فيمن يتقيد وجوده بالصفة فان قلت فيه مختار صدقت وان قلت حكيم صدقت وان قلت لم يوجد هذه الأمور على هذا الترتيب إلا بحسب ما أعطاه العلم صدقت وان قلت ذاته اقتضت ان يكون خلق كل شئ على ما هو عليه ذلك الشئ في ذاته ولوازمه واعراضه لا تتبدل ولا تتحول ولا في الإمكان ان يكون ذلك اللازم أو العارض لغير ذلك الممكن صدقت فبعد ان أعلمتك صورة الأمر على ما هو عليه فقل ما تشاء فان قولك من جملة ما أعطي خلقه في ظهوره منك فهو من جملة الإعراض في حقك وله صفة ذاتية ولازمة وعرضية من حيث نفسه فاعلم ذلك وأما تحقيق هذا الاسم لهذه النسبة فاعلم ان العدل هو الميل يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه وعدل إليه إذا مال إليه وسمى الميل إلى الحق عدلا كما سمى الميل عن الحق جورا بمعنى ان الله خلق الخلق بالعدل أي ان الذات لها استحقاق من حيث هويتها ولها استحقاق من حيث مرتبتها وهي الإلهية فلما كان الميل مما تستحقه الذات لما تستحقه الألوهية التي تطلب المظاهر لذاتها سمى ذلك عدلا لا أي ميلا من استحقاق ذاتي إلى استحقاق إلهي لطلب المألوه ذلك الذي يستحقه ومن أعطى المستحق ما يستحقه سمى عادلا وعطاؤه عادلا وهو الحق فما خلق الله الخلق إلا بالحق وهو عطاؤه خلق ما يستحقونه وليس وراء هذا البيان وبسط العبارة ما يزيد عليها في الوضوح
السؤال التاسع والعشرون
Page 61