فإن قلنا ببساطتها. . تعيَّن الأول، وورودها لغير الحصر نادرٌ، على أن الحصر إما حقيقيٌّ نحو: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾، وإما إضافيٌّ نحو: ﴿إِنَمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾؛ لأن صفاته تعالى لا تنحصر في ذلك، وإنما قصد به الرد على منكري التوحيد، ومنه: "إنما الربا في النسيئة" (١)، بل فهم منه ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما الحصر الحقيقي، فقصر الربا عليه (٢)، وقال الجمهور: إن كان إضافيًا. . فظاهرٌ، أو حقيقيًا. . فمفهومه منسوخٌ بأدلةٍ أخرى.
وإنما حَسُن: (هل قام عمرو) بعد: (إنما قام زيد) ولم يكن تحصيلًا للحاصل (٣)؛ لأنها قد يتجوز بها لغير الحصر، وتراخيها فيه عن: (ما قام إلا زيد) لأنه قدر مشترك بينهما، واختص الثاني بزيادة قوة فيه؛ لزيادة حروفه، نظير (سوف) و(السين) في التنفيس؛ ولأنه فيه لفظيٌّ للتصريح بـ (ما) و(إلا) جمعًا بين النفي والإثبات بالمطابقة، وفي (إنما) معنوي.
وقولُ شارحٍ: الأنسب أنها ليست للحصر مطلقًا؛ لخبر: "ما من نبىٍّ من الأنبياء إلا وقد أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحيًا" (٤)، ويلزم من كونها للحصر نفي المعجزة عن غير القراَن، وأنه يمتنع الاحتجاج بغيره؛ لنفي المعجزة عنه. . ليس في محله (٥)؛ لما قررناه من أن الحصر يكون إضافيًا، وهو هنا كذلك، فحصر المعجزة في القرآن ليس لنفيها عن غيره، بل لتمييزه عن سائر المعجزات بأنه المعجزة الكبرى الدائمة المحفوظة من التغيير والتبديل، التي لم يُقهَر المعاندون بمثلها، فصارت المعجزات كلها كأنها في ضمنه فحصرت فيه.
(١) أخرجه مسلم (١٥٩٦/ ١٠٢) عن سيدنا ابن عباس عن سيدنا أسامة بن زيد ﵃.
(٢) أي: على ربا النسيئة. انظر "المحلى" للإمام ابن حزم رحمه اللَّه تعالى (٨/ ٤٨٣ - ٤٨٤)، و"المغني" للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه اللَّه تعالى (٦/ ٥٢)، و"موسوعة فقه ابن عباس" ﵄ للدكتور محمد رواس قلعه جي (ص ٣٣٨) وما بعدها.
(٣) جوابٌ عما يقال: لو كانت (إنما) لإفادة الحصر. . لما حسُن: (هل قام عمرو) بعد (إنما قام زيد) مثلًا؛ لأنه يكون من طلب تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل محالٌ، فكذا طلبه، فأجاب بقوله: (لأنها قد يتجوز بها) يعني: إنما (لغير الحصر) أي: والسؤال بـ (هل قام عمرو) مبنى على هذا. اهـ هامش (غ)
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٥) قوله: (ليس في محله) خبرٌ لقوله: (وقول شارح).
1 / 122
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]