Fath Carab Li Misr
فتح العرب لمصر
Genres
فما هو إلا قليل حتى اجتمع لديه جيش عظيم، ثم عقد عليه ليزيد بن أبي سفيان، وكان عمرو بن العاص على قسم منه.
24
وكان عمله هذا جرأة عظيمة؛ فإنه حاد دولتي الفرس والروم، وأغزى العرب بلادهما، ولكن الأمر كان أهون في الحقيقة مما يلوح للناس؛ فإنه من الخطأ أن نتصور أن العرب قبل الإسلام كانوا كلهم يعبدون الأوثان، كما أنه من الخطأ أن نتصورهم جميعا في عزلة عن العالم تفصلهم عنه مفازات الصحارى، ويعيشون في أرضهم لا يعرفهم أحد، ثم جاء الإسلام فقوى جموعهم على اقتحام الفيافي، والخروج إلى أمم العالم يغزونها؛ فليس شيء أبعد من هذا عن الحقيقة. ولا شك في أن ضعف أسدي الروم والفرس وما كان بين النصارى من الشحناء والبغضاء، وما انبعث في نفوس العرب من الإيمان، وما كان فيهم من حب الفيء والغنيمة في هذه الحياة، وما كانوا يأملونه من نعيم الآخرة، لا شك في أن ذلك كله كان عاملا قويا على فوز غزاة العرب في غزواتهم، ولكن لعله قد كان أكبر من كل ذلك أثرا في فوزهم أنهم كانوا يمتون بصلات وشيجة من قرابة الجنس إلى طائفة كبيرة من أهل البلاد التي غزوها؛ فقد كان العرب منذ الأزمنة الغابرة ينزحون إلى ما يلي بلاد الفرس والشام، وإلى ما بعد الحد الفاصل من الإقليمين من الشرق، فيقيمون بتلك الأرض أحيانا، ويضربون في أنحائها أحيانا أخرى، وينتجعون بلاد الدولتين فيجوسون خلالها التماسا للتجارة، أو يشنون عليها الغارة.
25
وكان بعض هذه القبائل العربية يدين لهرقل بطاعة لا تتعدى اسم الطاعة، وعلى مثل تلك الحال كان بعضهم مع كسرى، على حين كان بعضهم معتزلا لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، وكانوا جميعا لا يحجمون عن نصرة أي الدولتين بسيوفهم إذا تبين لهم وجه النفع معها.
26
وكانت طلائع جيوش هرقل من العرب، في حين أن منهم قوما كانوا يغيرون على آسيا الصغرى، وهم قوم «طوال الشعر» ذكرهم «جورج البيسيدي».
27
وكان أول نصر لهرقل يوم انتصر على هؤلاء، وقيل إن جل جيش الروم في «مؤتة» كان من العرب، وكانت منهم كتيبة خيل بارعة مع كسرى تساعده على فتح الشام ومصر.
فوجد الإسلام على ذلك بين هؤلاء العرب الضاربين على التخوم عدة عظيمة من رجال الحرب شبيهين بما كان من بلاد العرب ذاتها من جنده. فما كان على المسلمين إلا أن يدخلوا هؤلاء العرب في الإسلام، ويشعروا قلوبهم عقيدتهم، ويثيروا فيهم روحه، فيصبحوا لهم عيبة ومسلحة. ولم يكن الأمر في أوله بالهين؛ فقد كان أكثر هؤلاء العرب نصارى،
Unknown page