676

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم، فإن تشاجروا في شيء منه ردوه إلى الله ورسوله، والرسول قائم عليهم ومؤدب لهم، وحريص على تعليمهم، رفيقا بتأدبهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم نخف على من كان على هذه الصفة، وبيان هذه السيرة ناسخ من منسوخ، ومقدم من مؤخر، وكيف وهم شهود للقصة، حضور للتنزيل، ولأسباب التنزيل، وإنما هو في مغنم أو فداء أو عفو أو قتل، أو أسر أو قبض صدقة، أو صلاة أو صيام أو نسك، أو تحريم ربا أو زنا أو خمر أو خنزير، أو قصاص من أحد، أو ميراث، وفيهم نزل، وإليهم يرجع?

ولقد حفظوا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأحاديثه، وأخلاقه وسيرته، ودلالاته قبل مبعثه، أضعاف ما بين دفتي المصحف يعلم ذلك جميع الفقهاء، ويخبرك به جميع العلماء والعرب، مخصوصون بشدة الحفظ، وحسن البيان?

وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون الوحي، ولا يدفع ذلك صاحب خبر، ولا حامل أثر، وكان منهم ابن أبي شرج، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، فلو لم يكن القرآن مجموعا مكتوبا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟ وكيف يجوز على القوم الذين ذكرنا أحوالهم، أن يتركوا جميع جمع القرآن والوقوف على تأويله، ومقدمه ومؤخره وهو إنما أنزل عليهم وفيهم على ما تقدم من شرح العالم الذي ذكرناه في صدر هذا الفصل?

ومما يدل على حفظهم الذي استحفظوا له وقيامهم بما استكفوا إياه، أنهم كانوا علماء لنظم السور، وتأليف الآي، لا يحرفون الكتابة ولا يقصرون في التأدية?

إن أول ما أنزل القرآن بمكة ? ?اقرأ باسم ربك الذي خلق??? وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، وآخر ما أنزل سورة براءة (¬1) فلو كانوا إنما ألفوا السور على تقدير رأيهم، لقدموا في المصحف المقدم وأخروا المؤخر، ففي تقديمهم سورة البقرة، وفي تأخيرهم سورة براءة،

Page 190