Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل في الكلام في مشيئته سبحانه ومحبته وإرادته مشيئته سبحانه ومحبته وإرادته لأفعاله تعالى رضاه بها وإيجاده لها في الأوقات التي يعلم أنه يوجدها فيها، ولا فرق بين مشيئته تعالى لأفعاله وإرادته ومحبته، وهو يرضاها سبحانه ويريدها ويشاها ويحبها لأنها كلها حسنة، حكمة وعدل وصواب، ومشيئة الله سبحانه ومحبته وإرادته لأفعال عباده رضاه بالحسن منها، قال الله سبحانه في ذلك: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما}(1) يعني تعالى: وما تشاءون اتخاذ السبيل إلى الله أي: إلى رضاه إلا أن يكون الله قد شاء وأحب وأراد لكم الوصول إلى رضاه سبحانه بما جعل فيكم من القوة على الأعمال الحسنة، وركب فيكم من العقول، وأرسل إليكم من الرسل، ومد لكم من الآجال، وأسدى إليكم من الصحة، وأعطاكم من الأرزاق، فما شئتم طاعته إلا وقد شاءها وأحبها وأرادها لكم، ولم يحل بينكم وبينها بقهر ولا غيره، ولا جبركم على تركها، ولا نهاكم عنها، بل أمركم بها، وجعل لكم الاستطاعة عليها، وعرفكم كيفية فعلها على ألسنة رسله، فلو لم يجعل ذلك لكم لما كلفكم ووصلتم إليها، فله في طاعتكم المنة عليكم أن أعانكم عليها، وله المنة عليكم في ترك معصيته أن عوضكم من الحلال عنها {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}(2) رضا إلى ربه سبيلا الله بعد هذه المشيئة والإرادة والمحبة منه تعالى للعبد بتعريفه وخلق القدرة فيه، وإمهاله وتمكينه أن يختار سبيل الخير الذي هو عبادة الله التي خلق الله جميع خلقه لأجلها، ويفعلها باختيارهم له تعالى غير مغصوبين ولا مقهورين، فمن شاء فعل ذلك، فقد خلق الله المكلفين لعبادته ولم يخلقهم تعالى لأجل نفوسهم، قال الله تعالى في ذلك: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(1) فهذا معنى الآية الأولى في هذا الموضع، ومعنى هذه الآية أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه تعالى مختارين بعد تكليفهم بتركيب العقول، وتعريفهم كيفية العبادة على لسان الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم] وخلق القوة فيهم، وجعل لهم الإمهال، وخلق فيهم الصحة، وخلق ما يقيم الأجسام حية قوية من الأرزاق؛ لأن الله تعالى جعل الرزق الذي هو المطعم والمشرب ونحو ذلك في الإنس والجن في بقاء حياتهم، وبقاء قواهم، وبقاء استطاعتهم، وبقاء أرواحهم [120ب] وعافيتهم التي خلق فيهم حتى في آجالهم المضروبة شرطا، وخلق الله سبحانه أهل الجنة في الآخرة للبقاء، ولم يجعل المطعم والمشرب ونحوه فيها شرطا في بقاء أرواحهم وحياتهم وقواهم، بل خلق ذلك لهم ليتفكهوا به، ويتلذذوا به، وزاد في شهواتهم ودواعيهم في كل إحسان ابتدأه إليهم وأكرمهم، قال الله تعالى في ذلك: {فواكه وهم مكرمون}(2) فأخبر أن رزقهم للتفكه وهو التلذذ، وللكرامة مع الإكرام وهو التعظيم البليغ لا لسد الفاقة وقوام الأرواح والقوى كما في الدنيا، وعلى هذا التأويل قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم}(1) ثم قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فأخبر تعالى أنه لو لم ينصرهم ويمكنهم ويخلق فيهم العقول، ويرسل إليهم الرسول ليعلمهم على لسانه كيفية الاستقامة، ويقدر عليها بالقوة التي خلقها سبحانه فيهم، ويمهلهم حتى يفعلوا ما به الاستقامة، ويرزقهم ما يقيمون به الأرواح والقوى لما أحسنوا المشيئة طاعة فضلا عن فعلها، وإذا لم يحسنوا مشيئة الاستقامة ثم يستقيموا بالطاعة لم يكونوا مستقيمين، فنفى الموانع سبحانه ثم كلفهم بعد الاستطاعة والتعريف، فالمنة له علينا وعلى الخلق أجمعين وعليهم، وليست المنة لنا عليه ولا لمخلوق على خالقه منة، فلله خالقنا ومالكنا المنة علينا سواء فعلنا الطاعة أو لم نفعل، ونسأل الله لنا وللمؤمنين والمؤمنات أن نكون من المطيعين له تعالى.
Page 256