427

Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

ومما روى أبو بكر محمد بن الوليد عن ابن داب قال: خرج العباس بن عبد المطلب قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوقف عليهم هذا قبل بيعة أبي بكر فقال: يا أبا بكر عندك عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أمر؟ قال: معاذ الله لا والله، فقال: وأنت يا ابن الخطاب؟ قال: لا والله، قال: فهل عند أحد منكم عهد من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال الناس: لا . قال: فاشهدوا أيها الناس، ثم دخل قال: واجتمعت الأنصار إلى سقيفة [102ب] بني ساعدة ودعت سعد بن عبادة، واجتمع المهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم، فخرج أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فلما تنشر عمر للكلام دفعه أبو بكر وقال: على رسلك ستكفى إن شاء الله تعالى، ثم قل بعد كلامي ما بدا لك، قال : فتشهد أبو بكر وأنصت الناس فقال بعد كلام كثير: معاشر الأنصار أنتم الذين آووا ونصروا وآزروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم أنصار الله، وأنتم إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين وفيما كنا فيه من الخير، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم شركاؤنا فيه، وأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، وأنتم أحق الناس بإرضائنا، وأنتم المؤثرون على أنفسهم يوم الخصاصة، والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين قط، وأنتم أحق الناس، ألا لا يكن انتقاص هذه الأمة واختلافها على أيديكم وأبعد الناس أن تحسدوا إخوانكم خيرا ساقه الله إليهم، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو إلى عمر بن الخطاب فكلاهما رضيت لهذا الأمر، فكلاهما أراه له أهلا، فقال عمر بن الخطاب وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك، أنت صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثاني اثنين، فأطريا في مدح أبي بكر، فقالت الأنصار بعد كلام كثير واختلاف من القول: نحن نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم فلو جعلتم اليوم رجلا منكم بايعناه اليوم ورضيناه على أنه إذا هلك اخترنا رجلا من الأنصار، فإذا هلك اخترنا رجلا من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، فكان من قول عمر بن الخطاب: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، فأطرى المهاجرون في الدعاء إلى أبي بكر فقالوا: هذا منا الأمراء ومنكم الوزراء، فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوه، فقالا: والله لا نتولى عليك هذا الأمر، أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فابسط يدك نبايعك، فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير عقبك عقوق وما اضطرك إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك بالإمارة -يعني سعد ابن عبادة- ثم قام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذ بقائمه فبادروا إليه فأخذوه منه، فجعل يضربهم بثوبه في وجوههم حتى فرغوا وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعدا وهو مريض وقال ناس من أصحاب سعد: لا تطأوه، فقال عمر: اقتلوا سعدا قاتله الله إنه صاحب فتنة، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأ بطنك حتى أبدي حشويك، وقال سعد: أما والله لو أن لي ما أقوى به على القيام لسمعتم مني في أقطارها وشكلها زبرا يزحزحك وأصحابه احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره، ثم سألوه بعد ذلك البيعة فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يقضي بقضائهم حتى هلك أبو بكر وولي عمر فلقيه عمر في بعض طرق المدينة وهو على فرس وعمر على بعير فقال: إيها يا سعد، فقال: إيها يا عمر، فقال: أنت صاحب ما أنت صاحبه، فقال: نعم ذلك، [107أ] قال: أما والله ما جاورني بها جار قط أبغض إلي جوارا منك، قال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه، قال: إذا غير فبشرى لك إني لأرجو أن أحيلها إلى من هو أحب إلي منك ومن أصحابك وولى فما لبث إلا يسيرا فخرج إلى الشام في أول خلافة عمر فمات بحوران ولم يبايع، وفي ذلك قال الحباب بن المنذر شعرا:

سعى ابن حصين في الفساد لحاجة

يظنان أنا قد أتينا عظيمة

وما صعرا إلا لما كان منهما

ولكنه من لا يراقب قومه

فيا ابن حصين وابن سعد كلاكما

ألم تعلما لله در أبيكما

لأنا وأعداء النبي كأننا

نصرنا وآوينا النبي وماله

فديناه بالآباء بعد دمائنا

وكنا له في كل أمر يريده

فكان عظيما أنني قلت منهم ... وأسرع منه في الفساد بشير

وخطبهما فيما يراد صغير

وخطبهما لولا الفساد كبير

قليل ذليل فاعلما وحقير

بتلك التي يعني الرجال خبير

وما الناس إلا أكمه وبصير

أسود لها بالغابتين زئير

سوانا من أهل الملتين نصير

وأموالنا والمشركون حضور سهاما حدادا صمهن حقير

Page 189