فذكر لتوه زفته السعيدة حتى رق قلبه. وهو رجل يحب الغناء والطرب. وكم تمنى أدهم أن يتفرغ للغناء في الحديقة الغناء. وماذا يغني الرجل في العيد؟ أصل اللي شبكتني مع المحبوب عيني دي؟ صدق الرجل. فمنذ ارتفعت عيناه في الظلام إلى قنديل سلب قلبه وعقله وإرادته. وها هو ذا حوش بيته يستحيل ناديا لتقوية الأبدان وتطهير الأرواح. وهو مثلهم يرفع الأثقال ويتعلم التحطيب، وصادق امتلأت عضلات ذراعيه كما امتلأت من قبل - بفضل عمله في تبييض النحاس - عضلات ساقيه. أما حسن فيا له من مارد عملاق! والآخرون ما أبهر حماستهم! وكان صادق حكيما يوم نصحه بدعوة المتعطلين والمتسولين إلى ناديه، وسرعان ما تحمسوا لألعابه كما تحمسوا لأقواله. أجل إنهم قلة ولكنهم لطموحهم إذا وزنوا بأضعاف أضعافهم رجحوا بهم. وهتفت إحسان: «آد .. آد ..» فقبلها كثيرا، وكان طرف جلبابه الجديد مبتلا تحتها. وترامى إليه من المطبخ دق الهاون وصوتا قمر وسكينة ومواء القطة. ومرت عربة كارو تحت الشباك وهي تنشد مصفقة:
الفاتحة للعسكري قلع الطربوش وعمل ولي.
وابتسم قاسم فتذكر ليلة غنى المعلم يحيى هذه الأنشودة وهو في تمام السطول. آه لو تستقيم الأمور فلا يبقى لك إلا الغناء يا حارتنا! غدا يمتلئ النادي بالأعوان الأقوياء والصادقين. غدا أتحدى بهم الناظر والفتوات وجميع العقبات. كي لا يبقى في الحارة إلا جد رحيم وأحفاد بررة، ويمحق الفقر والقذارة والتسول والطغيان، وتختفي الحشرات والذباب والنبابيت، وتسود الطمأنينة في ظل الحدائق والغناء.
واستيقظ من أحلامه على صوت قمر وهي تنهر سكينة في غضبة داهمة. أنصت متعجبا ثم نادى زوجته، وسرعان ما فتح الباب وجاءت قمر وهي تدفع الجارية أمامها وتقول: انظر إلى هذه المرأة! ولدت في بيتنا كما ولدت أمها من قبل، ولا تتعفف عن التجسس علينا!
فنظر إلى سكينة بإنكار حتى هتفت بصوتها النحاسي: لست خائنة يا سيدي ولكن ستي لا ترحم!
وقالت قمر وفي عينيها فزع أخفقت في مداراته: رأيتها تبتسم وتقول لي: «سيجيء العيد القادم إن شاء الله وسيدي قاسم سيد الحارة كلها كما كان جبل في حي حمدان!» .. سلها عما تعني بذلك؟
وقطب قاسم مهتما، وسألها: ماذا تعنين يا سكينة؟
فقالت الجارية بجرأة غير غريبة عليها: أعني ما قلت؛ لست خادمة كالخادمات، أعمل اليوم هنا وغدا هناك؛ إني ربيبة هذا البيت، وما كان يجوز أن يخفى عني سر.
فتبادل الرجل نظرة سريعة مع زوجته، وأشار إلى الطفلة فجاءت وتلقتها منه، وأمر الجارية أن تجلس فجلست عند قدميه وهي تقول: أيصح أن يعلم بسرك غرباء عن البيت وأظل أجهله أنا؟! - أي سر تقصدين؟
فقالت الجارية بنفس الجرأة: حديث قنديل إليك عند صخرة هند!
Shafi da ba'a sani ba