على أن العكس هو الذي يلزم كل حكومة مخلصة لبلادها أن تتخذه وتحرص عليه، تفاديا من تلك الأضرار التي أنت وتئن البلاد منها، ولا تؤدي إذا استمرت إلا إلى البوار وسوء المصير.
غير أن الوزراء لا يبالون بها لاستشعارهم بسند القوة، ولأنهم يزعمون أن الأمة من الجهل والغباوة سريعة التأثر بتغرير الخادعين، سهلة الانقياد لتضليل المضللين، فإرخاء العنان في الانتخاب لها يؤدي بها إلى أن تختار للنيابة عنها غير من يصلحون لها من الأكفاء المفكرين! وهم يحسبون أنفسهم طبعا في مقدمة هؤلاء! وهو زعم، إن صح فهمه من الأجنبي القوي ليبرر معارضته في تمتع الأمة باستقلالها، فلا يفهم صدوره من بعض أبنائها فضلا عن وزرائها المسئولين؛ لأنه قضاء على أمتهم باستحقاق الذل القائم، والاستعباد الدائم!
وهم لا يمكنهم أن يكونوا أعزة في بلاد ذليلة، ولا أحرارا في قوم مستعبدين، مهما سمت بهم الألقاب والرتب! على أن الأمة المصرية ليست بغبية كما زعموا، ولا يتفوق غيرها عليها من الأمم في الذكاء الفطري والنباهة الطبيعية، بل ربما فاق الفلاحون منها أمثالهم في البلاد المتمتعة بالدستور وحسن النظام، وما الفرق إلا أن بلادنا تحتلها قوة أجنبية تفسد بعض ضمائر الضعفاء فيها، وتحملهم على أن يتبجحوا بمثل هذا الزعم ليتمتعوا بسند القوة على حساب الإضرار بها؟! إن جريمة الأمة عند هؤلاء هي أنها ضنت عليهم بثقتها، وهم يحسبون أنهم في مقدمة أبنائها سعة فضل، وغزارة علم، ومكارم أخلاق!! فهم لا يغتفرون لها هذه الجريمة، ويفرغون جميع الوسائل في الانتقام منها واختلاس ثقتها! لهذا ابتكروا الشروط التي تقلل عدد الناخبين وتحصرهم في كمية ضئيلة، ووسعوا أمام الإدارة أبواب التأثير فيهم حتى يضمنوا لأنفسهم وأنصارهم مراكز النيابة والحكم!
ولكن الرجعية أبت إلا أن تمضي في غلوائها، وتسدر في غيها، فأصدرت في العاشر من ديسمبر سنة 1925 قانون انتخاب يقسم الأمة طرائق وطبقات، ولكن ذلك القانون كان مقضيا عليه بالفشل، فقد أبى العمد أن يشتركوا في تنفيذه، واجتمع الشيوخ والنواب في النادي السعدي وبعثوا بقرارهم إلى الحكومة مهيبين بها أن تكف عن تنفيذ هذا القانون الذي أصدرته ، وتطبق القانون الدستوري الذي أقره الشعب بمحض مشيئته.
وكان ذلك العام المشئوم أيضا بجانب هذه المجاذبة العنيفة بين الوفد ممثل الأمة وقائدها الأمين، وبين عصابة الرجعية التي أرادت القضاء على الدستور وهدم قواعده، عام اتهامات وتحقيقات واعتقالات ومحاكمات بسبيل مصرع السردار؛ فقبض على شفيق منصور وزملائه. وقامت وراء جدران السجن مأساة نكراء لحمل ذلك المخلوق الرعديد الذي ذهب الخوف من الموت بلبه، على اتهام الأبرياء للإيقاع بالوفد ونسبة الإجرام إليه تلويثا لسمعته، وإرهابا له لينثني عن جهاده؛ حتى لقد قالت «الديلي ميل» في ذلك الحين بوجوب إلقاء القبض على سعد وزعماء حزبه «وحبسهم عشرة أيام، فإن لم يظهر الفاعلون أعدموا رميا بالرصاص»! كما بعث مراسل الديلي تلغراف إلى صحيفته في يناير سنة 1925 ببرقية يقول فيها: «إن الإنكليز يريدون الرءوس الكبيرة، ولا يكتفون برأسي شفيق منصور ومحمود إسماعيل ...!»
ولذلك قبضوا بادئ الأمر على نفر من الوفديين، ومن بينهم الأستاذ محمود فهمي النقراشي، وكان وكيلا لوزارة الداخلية في وزارة الشعب، على أن التحقيق في جميع أدواره أظهر الوفديين أبرياء من الجريمة، فأخلي سبيلهم جميعا بعد أن لبث الأستاذ النقراشي في السجن الانفرادي ثلاثة أشهر سويا.
ولكن شهوة الثأر من الوفد أو حب القضاء عليه ما زال يغري شفيق منصور، مستغلا رهبته من الموت وتطلعه إلى النجاة بأي ثمن من الأثمان، حتى يتهم الوفديين بالاشتراك في حوادث الاغتيال الماضية؛ فأعيد القبض على النقراشي، كما قبض على الدكتور أحمد ماهر الذي كان وزيرا للمعارف في وزارة الشعب. وكان القبض عليهما في الحادي والعشرين من شهر مايو سنة 1925 بالتهمة الجديدة التي استخلصت من شفيق منصور لقاء وعد له بالنجاة من الإعدام؛ فقد ظهرت براءتهما في قضية السردار، ولكنهما لم يعلنا بالاتهام الجديد، وإنما ألقيا في غيابة السجن ثمانية أشهر دون أن يعلما شيئا عن التحقيقات التي كانت تجري سرا وفي غير مواجهتهما. ولم يسمح لهما ولا للمحامين عنهما بالاطلاع على شيء منها، حتى فوجئنا بتقرير الاتهام في السابع من يناير سنة 1926، وهو يقضي باتهامهما بالاشتراك في إحدى عشرة حادثة ارتكبت من عهد الثورة إلى قبيل المصرع الأخير.
وكان مصطفى النحاس قد عاود المحاماة ورجع إلى مكتبه في شارع المدابغ، عقب استقالة الوزارة الشعبية، وإن ظل مكانه في الوفد ثابتا بجانب سعد، عونا له على اجتياز المحنة، والدفاع عن الدستور بأقصى قوى النفس، وأشد رباطة المصابرين، وإن كان بعض الذين لزموا سعدا من قبل قد فزعوا لياذا هاربين من مواضعهم بجانبه خوفا وطمعا، وانقلبوا على أعقابهم إشفاقا من بطش الباطشين.
ثبت مصطفى على وفائه؛ لأن الوفاء أصيل فيه، ووقف شجاعا أبيا أمام الخطب الداهم؛ لأن الشجاعة من طبعه والإباء لازمة من لوازمه، أخا جلاد يأنس إليه، ومجاهدا متفتح النفس للجهاد يقبل جذلان عليه، ولا تغريه مخافة مكروه بالرجوع.
ولشد ما كان غضبه، وألمه، وثورة نفسه، إذ قبض على صديقيه النقراشي وماهر، وسيقا إلى المحاكمة، فتلك أيام رهيبة محزنة فاجعة قضاها مصطفى النحاس باشا يدعو الله بالعشي والآصال أن يهيئ له سبيل إنقاذهما من صعدة المشنقة، ويمكن له من غسل هذه التهمة النكراء التي حاول خصوم الوفد نسبتها إليه.
Page inconnue