288

============================================================

وأخذ سفيان رضي الله عنه بيد بعض إخوانه وقال: نذهب إلى المؤدبة التي لا أحد أستريخ إليه إذا فارقتها، فلما دخل عليها، رفع سفيان رضي الله عنه يديه وقال: اللهم، إني اسألك السلامة(1). فبكث، فقال: ما يبكيك؟ فقالت : عرضتني للبكاء، أما علمت أن السلامة من الدنيا ترك ما فيها، فكيف وأنت فيها متلطخ بها؟

وقالت له: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل.

وقيل لها: ما حقيقة إيمانك ؟ قالت: ما عبدته خوفا من ناره، ولا طمع27 لجنته، فأكون كالأجير السوء، عبدته حبا له، وشوقا إليه: وقال مالك بن دينار: أتيتها فإذا هي تقول: كم من شهوة ذهبت لذتها وبقيث تبعتها! يا رب، أما كان لك عقوبة ولا أدب غير النار ؟

ومن مناجاتها: إلهي، تحرق بالنار قلبا يحبك ؟ فقيل لها: لا تظني بنا ظن السوء.

وكانت رضي الله عنها ثنشد: إني جعلتك في الفؤاد محدثي وأبخت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وكانت كل ليلة تتطيب وتاتي زوجها وتقول: ألك حاجة ؟ فإن كانت له قضى وطره، وتطهرث، ونصبت أقدامها إلى الصباح.

وكان كفنها لم يزل عندها، ويجدون محل سجودها كالماء المستنقع من كثرة البكاء.

وقال لها رجل: إني اكثرت من المعاصي، فلو ثبت، هل يتوب علي ؟

قالت: لا، بل لو تاب هو عليك لتبت: ثرتاب عليه لتويوا (التوبة: 118] .

(1) في (ب) : السلامة من الدنيا.

(2) في (ا) و (ب): حبا.

248

صفحه ۲۸۸