595

Sharḥ al-Tajrīd fī fiqh al-Zaydiyya

شرح التجريد في فقه الزيدية

وفيما رواه ابن جرير الطبري بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر الظهران، قال العباس: يا صباح قريش، والله لئت بغتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بلاها، فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيضاء، وقالا: أخرج الأراك لعلي أرى حاطبا أو صاحب لبن، أو داخلا مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله، فيأتونه ويستأمنون.

فدل ذلك على أنه لم يكن هناك صلح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حصل بينه وبين قوم صلح لا يجوز أن يهلكهم؛ ولأن لصلح لو كان باقيا لم تحتج قريش أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستأمنين.

وفي الحديث أن العباس لما سار لقي أبا سفيان، فقال له: ما وراءك؟ قال العباس: رسول الله ورائي، قد زلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين، فلولا أن صلى الله عليه وآله وسلم كان يسير لحربهم لم يكن لقول العباس عليه السلام: قد جاءكم بما لا قبل لكم به معنى، فقال أبو سفيان: فمتى تأمرني؟ فقال له العباس: تركب عجز هذه البلغة فأستأمن لك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فكيف يقول ذلك لرجل يكون عظيم قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلح منعقد.

وفي الحديث أنه ركب وسار به العباس حتى مر به على عمر، فقال له: الحمد لله الذي مكن منك من غير عقد، ولا عهد، وهذا تصريح بأنه لم يكن عقد باق، وكل ذلك يدل على أن الصلح الواقع بالحديبية كان منتقضا، ولم يرو في شيء من الأخبار أنه عقد صلحا آخر بعد ذلك الصلح.

ثم مما يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة حربا قوله: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن))، فلو كان القوم آمنين بالصلح، لم يكن لتخصيص هؤلاء بالأمان معنى.

يدل على ذلك ما:

Page 97