Sharḥ al-tajrīd fī fiqh al-zaydiyya
شرح التجريد في فقه الزيدية
بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة الكتاب]
أخبرني أبو الغمر المسلم بن علي بن المسلم، قال: أخبرنا الشيخ الفقيه العالم الزاهد أبو الحسين زيد بن علي بن أبي القاسم الهوسمي إملاء في داره المعروفة في مدينة (اللاهجان) بناحية (جيلان) في شهر ربيع الأول بتاريخ خمسمائة سنة، قال: حدثني القاضي السعيد الزاهد أبو جعفر محمد بن علي الجيلاني رحمة الله تعالى عليه، قال: حدثني السيد(1) المؤيد بالله أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون قدس الله روحه، قال:
سألني بعض من وجب على حقه عند فراغي من كتابي المسمى (بالتجريد) أن أورد فيه من الأخبار الصحيح عندي سندها بأسماء الرواة المجمع على عدالتهم عند الفريقين من أصحاب الحديث وغيرهم، وأسماء الرواة الذين يروون عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وعن الأئمة من ولده بما لا ينكره الجميع ملخصا.
فأجبته إلى ذلك مستعينا بالله سبحانه، ومعتمدا عليه؛ لكيلا يقول من نظر في كتابنا هذا من مخالفينا إن الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يصل إلينا إلا من جهة سلفنا عليهم السلام من طريقة واحدة.
Page 1
ولو روينا الخبر المتصل بنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من جميع الجهات على(1) ألسن الرواة الذين اتسق سندهم إلينا، ولم يضطرب عندنا ولدينا، ومن اضطرب سنده، أو شذ عن الجماعة، أو خالف بعضا ووافق بعضا، ومن(2) طعن في سنده، ومن وضع الأخبار على ألسن الرواة، ومن دلس في كتبهم عليهم من الملحدة وغيرهم، ومن انقطع سنده، ومن رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو إلى إمام من أئمة المسلمين، ومن قلد الرواة، وكذا في تقسيم الأخبار، لخرجنا عن طريقه ما أردناه، ولتوخينا(3) فيه غير ما نويناه، لكن غرضنا الإختصار في هذا الكتاب، وقلة التطويل والإسهاب.
ولعل قائلا من أصحابنا يقول: وما الغرض في نقل الأخبار عن المخالفين؟ ولو علم من ذلك ما علمناه؛ لسر في مجالس النظر بما حصلناه ونقلناه، لكنه رضي لنفسه بالجهل، فعدل عن سبيل أهل الفضل، فاقتصر على طرف من الفقه أخذه عن مثله، وظن أنه على شيء بجهله، يخطئ مخالفيه، ويصوب موالفيه(4)، ولا يدري أخطاؤهم في أصل أو فرع، أو فيما يوجب التكفير أو القدح(5)، أو الخروج عن الملة، والشذوذ عن الجملة، إن خاض في الفقه ارتطم، وإن طلب منه دليل على ما يقول استبهم، يزري بأهل مقالته، ولا يدري بعظيم جهالته، ولو اعتذر لعذر، أو تعلم لشكر.
ولو روينا الحديث الواحد عن راو واحد، لم نشغل به كتبنا، ولا سطرناه لأهل نحلتنا، وإن كان ذلك جائزا على أصلنا، ويقول به جميع أصحابنا، حتى نعلمه صحيحا عن جماعة من الرواة، ونتحققه مسندا عن الثقات، وسنفرد لها إن يسر الله تعالى كتابا يرجع في معرفتها إليه، ويعتمد في صحتها عليه، لينتفع به الناظر، ويرتفع به في الملأ المناظر، وبالله نستعين، وعليه نتوكل في كل وقت وحين.
Page 2
وشرطنا فيه: السماع، والعدالة.
وأجزنا فيه خبر الواحد، لئلا نخرج عن جملة أهل البيت عليهم السلام.
وقد احتج المخالف على سقوط خبر الواحد، بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد )). وقالوا: لما يخشى من الوهم على هذا الواحد.
وعندنا لا يحل لأحد أن يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا إذا سمعه من فم المحدث العدل فحفظه، ثم يحدث كما سمعه، فإن كان إماما تلقاه بالقبول، وإن كان غير إمام فكذلك(1) إن رواه غير مرسل، وصح سنده، فإن المراسيل عندنا وعند عامة الفقهاء لا تقبل.
ولقد أدركت أقواما ممن لا يتهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يحفظون السند، ويرسلون الحديث فما قبلت أخبارهم، ولا نقلتها عنهم لقلة حفظهم للأسانيد.
والحجة في السماع، قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}، فقرن تبارك وتعالى الرواية بالسماع من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أداؤه إلى من وراءه.
وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطب ذوات عدد: (( نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها كما سمعها )).
حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الأدمي ببغداد، قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثنا أبي، عن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن، عن ثابت بن قيس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( تسمعون ويسمع منكم ويسمع من الذين يسمعون منكم، ويسمع من الذين يسمعون من الذين يسمعون منكم، ثم يأتي(2) بعد ذلك قوم سمان يحبون السمن، ويشهدون قبل أن يستشهدوا )).
Page 3
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلمة بن علي، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( حدثوا عني كما سمعتم ))(1).
قال قدس الله روحه(2):
حدثني أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال: حدثني أبي رحمه الله، قال: أخبرني حمزة بن القاسم العلوي العباسي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن منصور المرادي، عن محمد بن عمر المازني، عن يحيى بن راشد، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جميع هذه الأخبار في كتابنا هذا(3).
وقال قدس الله روحه:
حدثني شيخنا علي بن إسماعيل الفقيه رحمه الله، عن الناصر للحق الحسن بن علي رضي الله عنه، عن بشر بن هارون، عن يوسف بن موسى القطان، قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: عن المغيرة الضبي، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، جميع هذه الأخبار في كتابنا هذا.
وقال قدس الله روحه:
أخبرنا(4) أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال: حدثنا أبو زيد عيسى بن محمد العلوي، قال: حدثني محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن الحسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، جميع هذه الأخبار.
وقال قدس الله روحه:
Page 4
أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال: حدثني أبو الحسين الهادي يحيى بن محمد المرتضى، قال: حدثني عمي الناصر أحمد بن يحيى، قال: حدثني أبي الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه القاسم بن إبراهيم عليه السلام، قال القاسم: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني أبي الحسن بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جميع هذه الأخبار المحتج بها في كتابنا هذا سماعا، وقراءة.
قال أبو العباس رحمة الله عليه: (( لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد )).
وقال الناصر الحسن بن علي رضي الله عنه(1) : (( الأسانيد سلاح المؤمن، وكل حديث لا سند فيه فهو خل وبقل )).
قال قدس الله روحه: (( من فقه الرجل بصره بالحديث )).
قال، قال:(2)
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن سوادة بن أبي الجعد، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، أنه قال: (( من طلب العلم بلا إسناد فهو كحاطب ليل ))، وقال: أن(3) في تفسير قوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك}، هو: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده.
ولقد نقدنا هذه الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقد الدراهم، وميزنا صحيحها من سقيمها بعون الله تعالى ومنه.
Page 5
قال قدس الله روحه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله أولى من حمد، وأحق من عبد، الذي شرع لنا الإسلام، وبين الحلال والحرام، فأقام عليهما الأدلة والأعلام، حمدا يفضي بنا إلى رضاه، ويوفقنا لسبيل هداه، وصلى الله على نبيه وأمينه على وحيه محمد وآله أجمعين.
كنت وعدتك حين سهل الله الفراغ من كتابي الموسوم (بالتجريد لفتاوى القاسم ويحيى بن الحسين عليهما السلام) أن أفرغ(1) لشرح ما أودعته من المسائل، بما يحضر من الحجاج والدلائل، وهذا أوان الشروع فيه، والله الموفق لما أضمره وأنويه، وإياه عز اسمه أسأل أن يعيننا على ما يقربنا منه ويزلفنا لديه، ويعصمنا فيما نكدح له ونسعى فيه، من أن نقصد فيه غير وجهه إنه سميع مجيب.
Page 6
[2كتاب الطهارة]
كتاب الطهارة
باب القول في المياه
الماء: طاهر، وغير طاهر. والطاهر: طهور، وغير طهور.
فالطهور، هو: الماء المطلق الذي لم يشبه ولا لاقاه نجس، أو طاهر غير ريحه، أو لونه، أو طعمه، ولم يستعمل في تطهير الأعضاء.
والطاهر الذي ليس بطهور: ما شابه طاهر سواه فغيره.
والنجس: كل ماء قليل شابه نجس أو لاقاه، قليلا كان النجس أو كثيرا، غيره أو لم يغيره، أو كثير شابه من النجاسة ما غيره.
هذه جملة تشتمل على ثلاث مسائل.
إحداها: أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة صار نجسا، وإن لم تظهر عليه النجاسة، ولم يتغير بها.
والثانية: أن الماء إذا شابه طاهر سواه فغيره لم يجز التطهر به، وإن كان طاهرا.
والثالثة: أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به.
قال: وقد نص الهادي عليه السلام على هذه المسائل في كتاب (الأحكام)، وقال في قطرتين أو ثلاث قطرات من بول، أو خمر في إناء: إنه لا يتطهر به، فإنه نجس، يدفق ذلك من الإناء، ويطهر الإناء منه(1)، وكذلك لا يجوز شربه، وإن لم يتبين منه في الماء والإناء لون(2) ولا ريح ولا طعم. ونص على نجاسة الماء الذي أدخل الكافر(3) يده فيه، فدل على أن ملاقاة النجس للماء كاختلاطه به(4).
وقال في (الأحكام): وكل مائع وقع في ماء يسير(5) أو كثير فغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، من خل(6) أو سكنجبين، أو مرق مما ينتفي به عنه(7) اسم الماء القراح، فليس لأحد أن يتوضأ به(8).
Page 7
وفي (المنتخب)(1)، قلت: فإن لم يجد الجنب إلا ماء عصفر، أو ماء فيه زعفران، أو ماء مستعملا بمعنى من المعاني، هل يغتسل به؟ أو يتوضأ إن لم يكن جنبا؟ قال: لا يجزي في الطهور، والغسل من الجنابة إلا الماء القراح.
وقال في (الأحكام) في الجنب: إذا اغتسل من ماء في مركن فأفضل فيه ماء، فقال: لا بأس بأن يتطهر بفضلته، ما لم يكن تراجع فيه من غسالة بدن الجنب شيء، فإن تراجع من غسالة بدنه فيه شيء، فلا يتوضأ به هو ولا غيره(2).
المسألة الأولى [الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة صار نجسا]
الذي يبين صحة ما ذهب إليه يحيى عليه السلام، من نجاسة الماء الذي وقع فيه النجس، وإن لم تظهر عليه، أن الله تعالى أمرنا(3) باجتناب الخمر عاما، فقال عز وجل: {إنما الخمر والميسر..} إلى قوله {تفلحون}، فلم(4) يخص قليل ذلك من كثيره، ولا ما كان فيه من الماء دون غيره، وإذا لم يمكن اجتناب ما حصل منه في الماء، إلا باجتناب ذلك الماء وجب اجتنابه، وليس في الشرع معنى للنجس أكثر من أنه يجب اجتنابه على كل وجه. ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به(5) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عاصم المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، قال: حدثنا(6) علي بن معبد، قال: حدثنا أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنه نهى عن أن يبال في الماء الراكد، ثم يتوضأ فيه ))(7).
Page 8
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج(1)، قال: سمعت أبا هريرة يروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ))(2).
فلما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التوضؤ، والاغتسال في الماء الراكد الذي قد بيل فيه نهيا عاما، ولم يشترط التغير، ثبت ما ذهبنا إليه، من أن الماء اليسير يتنجس بحلول النجاسة فيه، وإن لم يتغير بها.
فإن قيل: فإن ذلك يلزمكم في الكثير.
قيل له: نخصه بالدليل، وسنبين الكلام فيه عند قولنا في الفرق بين الماء القليل والكثير.
فإن ادعوا تخصيص ما ذكرنا(3) بما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن اليمان، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع، قال: حدثنا أبو قطن، عن حمزة الزيات، عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غدير فيه جيفة، فقال: (( اسقوا واستقوا، فإن الماء لا ينجسه شيء )).
Page 9
وما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله بن عبد الرحمن(1) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يتوضأ من بير بضاعة، فقيل: يا رسول الله، إنه يلقى فيها الجيف والمحائض، فقال: (( إن الماء لا ينجسه شيء ))(2).
وما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود الأسدي، قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل يا رسول الله، إنه يستسقى لك من بئر بضاعة وهي بير تطرح فيها عذرة الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب، فقال: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ))(3).
الجواب، قيل له: هذه الأخبار وردت في المياه العظيمة، ونحن نذهب إلى أن مثل هذه المياه إذا اسقطت فيها النجاسات، لم تنجس، إلا إذا تغير الماء بها، وقد روى قوم أن بئر بضاعة كانت طريق الماء إلى البساتين، ويحتمل أن تكون تلك البئر كانت لها عيون تغلب، ولا يمكن نزح ما فيها.
فأما الغدير، فلا يسمى مجمعا للماء، إلا إذا كان عظيما، وكان الماء كثيرا، ومثله عندنا لا ينجس، إلا أن يتغير بالنجاسة.
فليس في شيء من ذلك دليل على أن الماء اليسير لا ينجس بوقوع النجاسة فيه.
Page 10