Sharḥ al-Tajrīd fī fiqh al-Zaydiyya
شرح التجريد في فقه الزيدية
ومما يدل على أن ما جرى من قريش في ذلك كان نقضا ما تظاهرت به الأخبار من مجي أبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتجديد الصلح، فلم يكلمه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جاء إلى أبي بكر فأبى، ثم أتى عمر، فقال له على ما رواه ابن جرير الطبري : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم. ثم جاء إلى فاطمة وإلى أمير المؤمنين، فقال له علي: يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه، ولا أعرف لك شيئا، ولكنك سيد بني كنانة، فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. فقال: أو يغني ذلك شيئا؟ قالك لا ولكني لا أعرف غير ذلك، فقالم أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني أجرت بين الناس، وانصرف، فحكى ذلك لأهل مكة، فقالوا له: ويلك ما زاد على علي أن لعب بك، فما يغني عنها ما قلت.
فكل هذا يبين أن الصلح كان قد انتقض، ولولا ذلك لما جاء أبو سفيان لتجديده إذ جاء، ثم يرده أبو بكر وعمر وأمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة رحمها الله، ولقالوا له: ما يجشمك من صلح هو باق منعقد.
وما روي أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى قريش يخبرهم بما أجمع عليه رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسير إليهم، ودفع الكتاب إلى امرأة من مزينة، فجعلته في رأسها، وفتلت عليه شعرها، حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فأنفذ في أثرها عليا عليه السلام والزبير، حتى أخذا الكتاب منها، فلو كان الصلح باقيا، لكان ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العزم على المسير إليهم غدرا، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.
ثم ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد المسير إلى مكة، وتقدم إلى أصحابه بالجد والإستعداد، قال: ((اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش لنبغتها في بلدها))، ولا يجوز أن يدعوا بذلك على قوم بينه وينهم صلح.
Page 96