991

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } انظروا نظر اعتبار إلى ثمر ما ذكر من شجر الزيتون وشجر الرمان والنخل والخضر، وهذا مما يدل أن الزيتون والرمان مراد بهما الشجر لا الثمار، فالهاء عائدة إلى ما ذكر، ومعنى أثمر أخرج ثماره وقرأ حمزة والكسائى بضم الثاء والميم فى قوله { إلى ثمره } جمع ثمرة بفتحتين كخشبة وخشب، أو جمع ثمار ككتاب وكتب، فهو جمع جمع، وأما كتاب وكتب فمرد وجمعه، وقرأ أبو عمرو بضم وإسكان تخفيفا، اعتبروا كيف يخرج ذلك كله رقيقا لا نفع يه، ثم يصير إلى حال مرغوب فيها نافعا غليظا لذيذا وهو حال ينعه، والينع النضج، أو نفس الثمر النضيج، وهو مصدر باق، أو بمعنى الثمر المدرك، ودل له قراءة ابن محيصن يانعه، وقيل ينعه جمع يانع كتاجر وتجر، وقرئ وينعه بضم الياء وهم لغة بعض نجد. { إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون } دلائل على وجود الله جل وعلا، وكمال قدرته ووحدانيته، وصحة البعث إذ أخرج هؤلاء الثمار من أعواد وخشب مع اختلافها واختلاف أحوالها، وتنقلها من حال لأخرى بحسب ما هو لحكمة ولا معارض له، ينقض ما قضى وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم المنتفعون بالوعظ، ووبخ الكفار على شركهم مع تلك الأدلة كما قال بعضهم

تجلت لوحدانية الحق ثمار فدلت على أن الجحود هو العار

[6.100]

فقال { وجعلوا لله شركاء الجن } لله متعلق بجعلوا، أو حال من شركاء على زعمهم لعنهم الله، وشركاء مفعول ثان، والجن مفعول أول، أى جعلوا الجن شركاء لله فعبدوها، ولا يصح تعليق اللام بشركاء إلا معنى مشاركين، ومعنى لام التقوية المختلف فى تعليقها، ويجوز كما قيل أن يكون لله مفعولا ثانيا وشركاء مفعولا أول، والجن بدلا من المفعول الأول، ويرده أنه لا يصح أن يقال جعلوا لله الجن شركاء، والجن أولاد إبليس المؤمنين والكافرين، لأنهم يعبدونهم بحسب ما يتخيل لهم من المنافع، والمؤمنون من الجن يكرهون أن يعبدهم المشركون، وقيل المراد الشياطين، وهم كفار الجن يوسوسون للمشركين فيعبدونهم. ومعنى جعلهم الجن شركاء أن الجن أمروهم بعبادة الأصنام فعبدوها، ومن أطاع أحدا فى الإشراك فقد جعله شريكا، وهذا قول الزجاج، فقبول أمرهم فى الإشراك كعبادتهم، وجعلهم شركاء لله، ودخل فى الآية عبادة النار والكواكب، وقول عزير ابن الله، وقول المسيح ابن الله، وأنها مدبرة أمر هذا العالم، وقول إن الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك ونحو ذلك من أنواع الكفر، فإن الشياطين آمرون بذلك كله، فمتبعهم قد جعلهم شركاء، وقيل الجن فى الآية الملائكة لاستتارهم، وكانت العرب تعبدهم، وفى تسميتهم جنا احتقار لهم عن الألوهية. وعن ابن عباس، وابن السائب، والكلبى أن الآية فى المجوس القائلين بأن إبليس خالق الشر كالعقرب والحيات والحرب والقتل ويسمونه هزمن وهرمن، وبعض يسمونه ظلعة، واختلفوا لعنهم الله فى قدمه وحدوثه، وخالق غير ذلك هو الله تعالى عن الشريك، ولإبليس لعنه الله أعوان من جنسه يعملون أعماله، فكانوا جملة شركاء عندهم، وقرئ نرفع الجن على أنه خبر لمحذوف، أى هم الجن، وبالجر على إضافة شركاء إليه إضافة بيان، أى هم الجن أو تبعيض، ولا يلزم من كونها للبيان أن يكونوا يعبدونهم كلهم، مع أنه يحتمل أنهم يعبدون الجن مطلقا. { وخلقهم } أى والحال أن الله خلق الجن، فكيف يكونون شركاء له تعالى، أو والحال أن الله خلق المشركين الجاعلين، فكيف يعبدون من لم يخلقهم ويسمونه إلها، فالواو للحال، وصاحب الحال واو جعلوا، أو لفظ الجلالة أو الجن، وقيل يقدر قد، أو المبتدأ بعد واو الحال الداخلة على ماض متصرف مثبت، أى وقد خلقهم، أو هو خق، أو الهاء فى خلقهم للجن أو للمشركين الجاعلين، وفى قراءة ابن مسعود ومصحفه وهو خلقهم، وقرئ خلقهم بإسكان اللام، إذ جعلوا لله شركاء الجن، واختلاقهم للإفك، أى نسبوا لله تعالى قبائحهم التى افتروها، إذ قالوا الله أمرنا بها، وعطفه فى هذه القراءة على شركاء على أن المفعول الثانى هو الله، ولا يصح عطفه على شركاء ولا على الجن إذا جعلنا شركاء مفعولا ثانيا، والجن مفعولا أول، لأن افتراءهم لا يكون جنا، ولا يكون شريكا، فإنك إذا قلت جعلوا الجن شركاء وافتراء فقد جعلت الجن افتراء، وإذا قلت جعلوا الجن والافتراء شركاء فقد جعلت الافتراء شريكا.

ويجوز أن يكون خلقهم فى هذه القراءة بمعنى مخلوقاتهم وهى الأصنام التى تخلق باليد، أى تقدر بالقياس والنجر والنحت، أو يكذبون بها فى الألوهية فبعطف على الجن أى جعلوا الجن والأصنام شركاء، وقدر لفظ الجلالة إعظاما لله جل جلاله، بحيث إن من فهم معناه وأحضره غاب عنه سواه فكيف يعبد سواه ثم شركاء لأن المراد التقبيح عليهم بالشرك، وقدم الجن على الأصنام لأن الجن هى الآمرة لهم بعبادة الأصنام. { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } عطف على جعلوا لله شركاء الجن، فالتخريق تشبه الشئ لآخر على جهة الكذب، والتشديد للمبالغة، وقرأ غير نافع بالتخفيف، قال الحسن والفراء وكان العرب إذا كذب الرجل قالوا اخترقها وخرقها، أى كذب فى هذه الكلمة، أو من خرق الثوب إذ شقه أى اشتقوا له بنين وبنات، وقرأ ابن عباس وابن عمر وحرقوا بالحاء المهملة وتخفيف الراء، أى زوروا له بنين وبنات، وذلك أن العرب قالوا الملائكة بنات الله، واليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والاثنان جمع مجازا أو حقيقة، بل قال فى اليهود

نحن أبناء الله وأحباؤه

فسموا أنفسهم أبناء الله، بل قيل إن طائفة من اليهود والنصارى زعموا أن لله أبناء، وذلك كله كذب وزور وجهل، كما قال بغير علم أى بغير علم أتاه من الله بذلك وبلا دليل ولا فكر وبغير حال من الواو، أو نعت لمصدر أى خرقوا له تخريقا ثابتا بغير علم، أو متعلق بخرقوا. { سبحانه وتعالى عما يصفون } ما مصدرية أى سبحانه عن وصفهم الكاذب وتعالى عنه، أو سبحانه عنه وتعالى عن وصفهم الكاذب، تنازع سبحان وتعالى فيما بعده، ويجوز كونها موصولا اسميا حذف الرابط للعلم به، ولو لم يوجد شرطه أى عما يصفونه به، فحذف هاء به مع أن الموصول لم يجر بالباء، ولا تعلق بمثل يصف، فذلك قيل محفوظ، وقيل مقيس لدليل وصفهم هو وصفهم إياها بالشرك والولد والموصوف هو به الولد والشريك.

[6.101]

{ بديع السماوات والأرض } خبر لمحذوف أى هو بديع، وبديع صفة مشبهة مضافة لفاعلها كقولك زيد غريب الصنع، وحسن الوجه، وكريم الفعل، وأن بمعنى الضمير، أى بديع سماواته وأرضه، أو يقدر الضمير، أى بديع السماوات والأرض له، أى حال كونهن له، أو الإضافة الظرفية تعالى الله عن أن يكون مظروفا، بل أحدث فيهن ما هو غريب، ليس إحداثه على قياس لشئ، أو بديع بمعنى مبدع، والإضافة لمفعوله، ومن أجاز الإخبار بالإنشاء أجاز أن يكون بديع مبتدأ خبره هو قوله تعالى { أنى يكون له ولد } أنى بمعنى كيف حال من ولد ولو نكرة، لتقدم الحال عليها، ولو وجب تقديمها لصدارتها، أو مفعول مطلق، أى كونا يكون له ولد، أو هو بمعنى من أين فيتعلق بيكون، وله متعلق بيكون، ولا خبر له، وولد فاعل يكون أوله خبر، وولد اسمه أو أتى خبره، ولد اسمه وإذا لم تجعل لفظ له خبرا صح كونه حالا من ولد. { ولم يكن له صاحبة } زوجة نفى الولادة عن نفسه من وجه الأول، قوله { بديع السماوات والأرض } فإن من أبدع السماوات والأرض مع عظمهما لا يحتاج إلى ولد ولا إلى شئ، أما كيف يحتاج إلى خلقه، ولا يكون من جنس ما يتوالد فالثانى نفى آلة الولادة وهى الزوجة، ولا زوجة له، لأن الزوجة من جنس الزوج، تعالى الله عن المجانسة. الثالث قوله { وخلق كل شئ } لأن الخالق لكل شئ لا يحتاج لولد، ثم بعد ما ذكرت ذلك رأيت الزمخشرى ذكر هذه الأوجه، والعطف فى الأول أن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسما، وهذه الجملة مستأنفة، وقرئ ولم يكن له صاحبة بالتحتية، ولو كان مرفوعه مؤنثا حقيقا للفصل، بل له مثل أتق القاضى بيت الواقف، أو لأن مرفوع يكن ضمير الشأن وله خبر مقدم، وصاحبه مبتدأ مؤخر، والجملة خبر يكن، أو لأن فيه ضمير الله جل وعلا، وجملة له صاحبة خبره منفية بلم الداخل على يكن، وكذا الوجه قبله، والمتكلم هنا لا يدخل فى عموم كلامه قطعا، لأن الخالق سابق على الخلق، فكيف يخلق نفسه وهو معدوم، فلا يدخل الله هنا فى عموم قوله { خلق كل شئ } ودخل فى عموم قوله { وهو بكل شئ عليم } لأنك تقول علم الله نفسه سبحانه وتعالى، إلا أنه لا يتبادر أن يريد هنا نفسه، قال أبو يحيى زكريا بن أبى بكر رحمه الله رب وخالق يستضئ بهما ضوء الشريعة، فلما جاء الشريعة حرمهما على خلقه يفنى فلا يقال إلا أنه رب للتنكير بلا إضافة، ولا بأل ولا خالق ولو بمعنى.

[6.102]

Unknown page