936

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ هو الذى خلقكم من طين } بخلق أبيكم آدم منه، وعن ما ظهر لى بلفظه ومعناه، والله الذى لا إله إلا هو، ثم رأيت السيوطى ذكره ولم يتقدم لى فيه مطالعة، ولأن المأكول نبت من الطين، وما لم ينبت منه كاللحم غير الحوت فغذاؤه يكون مما نبت، واللبن أيضا مما غذاؤه مما ينبت من الطين، والنطفة تتولد من الغذاء، أو يقدر مضاف أى خلق أباكم من طين. { ثم قضى } كتب { أجلا } أجل الموت، بأن أمر ملك الأرحام عند وقوع النطفة التى يتولد بها الإنسان أن يكتب أجله كما كتبه الله قبل ذلك، وسبق علمه الأزلى به لا إله إلا الله. { وأجل مسمى } محدود معين عنده تعالى { عنده } وهو المدة بين موته وبعثه، كذا ظهر لى، ثم رأيته كذلك للحسن وقتادة والضحاك وابن عباس، وروى عنه أنه قال لكل أحد أجلان أجل إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الرجل يرى تقيا وصولا بالرحم زيد له من أجل البعث فى أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد فى أحد البعث، بمعنى قضى له فى الأزل بأن يطول عمره أو يقصر كذا، وقيل الأجل الأول نفس الوقت الذى يموت فيه، والثانى نفس وقت قيام الساعة، فإن الأجل يطلق على الجملة، ويطلق على الجزء الأخير، ويطلق على الجزء الأول. وقيل الأول بمن مضى، والثانى لمن حضر فى الوجود، ولمن يأتى، وخص الثانى بكونه مسمى عنده، لأن من مضى قد علم أجله بخلاف غيره فإنه لا يدرى إلا الله قدر حياته حتى يموت، ولا مدخل لغيره فيه بعلم، وقال ابن عباس وابن عطاء الأول للنوم، والثانى للموت، وخص بمسمى لذلك، وبقى لى الكلام على ثم، والخطاب فى خلقكم فأقول والله أعلم الخطاب لمن فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية، فثم للترتيب فى الإسناد على أصلها، ويقاس من مضى ومن يأتى بهم وهو ظاهر على ما فسرت به الأجلين. وأما على باقى الأقوال فلعلها للترتيب الذكرى، وأجل مبتدأ، ومسمى نعته، وعند خبر، وقدم المبتدأ لأنه المقصود بيانه لتعظيمه، وكذلك نكر ووصف بأنه مسمى لا يقبل النقص والزيادة، ولما لم يكن الأجل كذلك لم يستأنف به، بل جعل مفعولا لقضى، وقيل الأجلان واحد، ولو كانا نكرتين معا، وذلك تعظيم، والأصل أن يكون كل منهما غير الآخر فتنكيرهما، وكذا لو نكر الثانى وعرف الأول. { ثم أنتم تمترون } تشكون فى البعث، وثم لاستبعاد الشك فى البعث بعد أن صح أن الله جل جلاله خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فالبعث والخلق الأول سواء شرعا وعقلا صحيحا، ولبادئ الرأى يكون البعث أسهل من الخلق الأول، فخلقه السموات والأرض، وجعله الظلمات والنور، دليل للتوحيد، ولذلك رتب عليه التوبيخ لهم، إذ لم يوحدوا بقوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } وخلقه الناس من طين دليل بعثهم.

[6.3]

{ وهو الله فى السموات وفى الأرض } الضمير عائد إلى الله، على معنى العلمية، وخبره الله على معنى الوصفية، ولذا تعلق فى به أى وهو المعبود فى السموات وفى الأرض، أو هو المستحق للعبادة فى السموات وفى الأرض، أو وهو المسمى فى السموات وفى الأرض بإلها، ولا يجوز أن يتم الكلام عند قوله " هو الله " ويعلق فى السموات بيعلم بعده، لأنه يكون الكلام بمنزلة قولك الله الله باتحاد المبتدأ والخبر لفظا ومعنى، بخلاف الوجه الأول، فإنه لو تكرر فيه تنزيلا لكن اللفظ الثانى وصف معنى بمعنى المعبود أو المستحق أو المسمى، وأما ما فى الوجه الثانى فكلاهما بمعنى الذات الواجب، اللهم إلا أن يؤل بقولك الله من قد علمتم، أو الله هو العظيم المعروف، ففى هذا التأويل فالله خبر وقوله { يعلم سركم وجهركم } خبر ثان، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو، وصح لوجود الاختلاف بالإظهار والإضمار، كوجوده بالأخوة، ولفظ زيد فى جاء زيد أخوك، وجملة يعلم خبر، وفى متعلقة بيعلم، وصح تعليقها به، لأن السر والجهر يعلمهما الله سبحانه هما فى السموات والأرض، فلا يمنع من ذلك كونه تعالى لا تحويه السموات والأرض ولا شئ من المخلوقات، وهذا كقولك ألقيت المال فى الدار، وإنما ألقيته من خارج الدار، ولست فيها حال الإلقاء، وكقولك رميت طائرا على شجرة، وتعلق على برميت ولست حال الرمى عليها، والأولى فى مثل رميت طائرا على شجرة أن يكون على شجرة متعلقا بمحذوف نعت لطائر، أو لو جئ بطائر معرفة، أو خصص كان على شجرة متعلقا بمحذوف حال منه، ولا يتعلق فى بسر لأنه مصدر لا يسبقه معموله، نعم أجازه بعض لأن المعمول ظرف، ولا سيما أنه ليس هنا على معنى انحلاله إلى فعل، وحرف الموصول فصلا عن أن يقال يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، ولا يتعلق بجهر لذلك على ما ذكرت فيه، لكن فيه مانع آخر وهو العاطف، ومعمول المعطوف لا يسبق العاطف. ويجوز أن يكون الله بدلا، وفى السموات خبر، ويعلم خبر ثان مفسر للاستقرار، فإن كون الله فى السموات وفى الأرض بمعنى علمه فيهما، فإن علمه سرنا وجهرنا وكسبنا، يفهم منه علمه سر ما فى السموات وجهره فهم مساواة تحقيقا، وفهم أولوية نظرا لبادئ الرأى، ثم والله رأيت بلا مطالعة أن القاضى قال يعلم سركم وجهركم بيان وتقرير للاستقرار الذى فى قوله فى السموات، إذا جعل فى السموات خبرا، وزاد أنه قال إن الله تعالى لكمال علمه بما فى السموات والأرض كأنه فيهما، وبالجملة فإن الله وله الحمد أولا وآخرا، ظاهرا باطنا، فتح لى فى هذا التفسير فتحا ظاهرا واسعا، وأرجو من الله الرحمن الرحيم القبول، ومن الجملة ما فتح لى فيه، وله الحمد على كل حال، أنه إذا أخطأ قلبى أو نسيت شيئا وفق بصرى أن يقع عليه بلا قصد منى إليه، ولا قصد درس، ولا قصد تصحيح فأصلحه، والسر ما فى القلب أو ترك به اللسان ولم تسمعه أذن صاحب اللسان ولا غيره، ولم يمكن سمعه، والجهر ما نطلق به اللسان قدر ما تسمعه أذنه أو غيره، ولو لم يكن معه إنسان آخر وسركم ما قصدتم إخفاؤه من كلام أو فعل، ولو اجتمع عليه اثنان أو أكثر، والجهر ما لم يقصد إخفاؤه.

قال الحسن اجتمع أربعة أملاك فى وسط الأرض، فقال أحدهم جئت من السماء السابعة من عند ربى، وقال أحدهم جئت من الأرض السابعة من عند ربى، وقال أحدهم جئت من المشرق من عند ربى، وقال أحدهم جئت من المغرب من عند ربى، يعنون والله معنا أيضا هنا وفى كل مكان بلا حلول ولا احتواء، ثم هو الأول إلى عليم. { ويعلم ما تكسبون } من خير أو شر فيجازيكم عليه، ولا تكرر لهذا مع السر والجهر، لأن السر والجهر بالمعنى المصدر، أى يعلم أنك أسررت وأنك أجهرت، ويعلم ما أسررته وما أجهرت به، وهما ما كسبت أو السر والجهر فى النطق، وما تكسبون فى الفعل والترك على عمومه بحيث يشمل النطق، فيكون ذكر العام بعد الخاص، أو السر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الناس، وما تكسبون أعمال الجوارح قاله القاضى، وما موصول اسمى أو حرفى بحسب ما يصلح له من التأويل بأوجهه، فإن القول مثلا تضيفه للسر أو الجهر باعتبار إظهاره وعدم إظهاره، وتصفه بأنه كسب باعتبار أنه عمل يجلب شرا أو خيرا، ويجوز أن يراد بالجهر والسر ما يعم القول والفعل، وبما تكسبون ما يترتب على العمل المجهور به أو السر من ثواب وعقاب فما موصولة اسمية لا حرفية.

[6.4]

{ وما تأتيهم } ما تأتى مشركى قريش { من آية } من صلة لتأكيد الاستغراق، أو للنص على الاستغراق بعد تبادره، وآية فاعل أى معجزة دلت على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو دليل دل أو آية قرآنية { من آيات ربهم } معجزات أو دلائله، أو آيات قراءته، ومن للتبعيض متعلقة بمحذوف نعت لآية، أو حال من آية لتقدم النفى عليها كانشقاق القمر وتكثير الطعام القليل والشراب القيل. { إلا كانوا عنها معرضين } لا يتدبرونها فأشركوا بالله تعالى، وأنكروا رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم ونبوته، فلم يؤمنوا بالقرآن كما قال.

[6.5]

{ فقد كذبوا بالحق } بالقرآن ومطلق الوحى ومطلق الحق { لما جاءهم } رتب ذلك بالفاء على ما قبله، لأنه لازم له، فإنه يلزم من الإعراض عن الآيات بعدم التدبر فيها أن يكذبوا بالقرآن والوحى، ومطلق الحق كمسيرة إلى بيت المقدس وإلى السماء، ويجوز أن يكون هذا استدلالا وضعه الله لنا نستدل به على ثبوت إعراضهم، لأنه لولا إعراضهم ما كذبوا، فالتكذيب دليل الإعراض، ووجه صحة تفريع التكذيب للحق وهو القرآن على الإعراض عن آيات القرآن أن الإعراض عن ألفاظ القرآن لا يدرسونها ولا يتفهمون معانيها، ولا يحفظونها، والتكذيب بالقرآن وهو الحق فى قوله " بالحق " تكذيبهم بمعانيه. وأما على أن الآيات غير القرآن، والحق القرآن، فلا يخفى التقريع، وقيل المراد بالحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا قيد الآيات آيات القرآن فوجه التفريع أنهم إذا أعرضوا عن القرآن فكيف لا يكذبون بسائر ما يحييهم من الحق، فإن القرآن أعظم الآيات. { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } الفاء سببية، فإن إتيان أنباء ما كانوا يستهزئون مسبب عن تكذيبهم، وأنباء بمعنى أخبار، والذى به يستهزئون هو القرآن أو الحق مطلقا، وأنباء القرآن والحق تأويله، أى وقوع ما ذكر أو الحق مطلقا، وأنباء القرآن والحق تأويله، أى وقوع ما ذكر الله فيه أنه سيقع، ككون المسلمين غالبين للكفار، وما هو غيب، وظهور الإسلام، وعذاب الآخرة، وعذاب الموت، وقام الساعة، فإن ذلك كله إخبار فيه، وأضيفت إلى القرآن والحق لأنها فيه، ووصفهم الله عز وجل بثلاثة أوصاف الأول إعراضهم عن الآيات. والثانى التكذيب وهو أقبح، لأن المعرض عن الشئ قد لا يكذب به. الثالث الاستهزاء وهو أقبح من التكذيب، لأن المكذب بالشئ قد لا يبلغ تكذيبه إلى الاستهزاء وهو الغاية فى القبح، وبعد ذلك وعظهم الله جل وعلا بإهلاك القرون السابقة وقال

[6.6]

{ ألم تروا كم أهلكنا قبلهم من قرن } القرن أهل عصر فيه نبى أو فائق فى العلم كان العصر قليلا أو كثيرا، فالقرن أهل ذلك العصر لا نفس العصر، وهو مأخوذ من قرنت الشئ بالشئ، فأهل العصر اقترنوا بعض ببعض لاحتواء الزمان عليهم، أو اقترنوا زمانهم، أو بأمة قبلهم وبعدهم إذ تعاقبوا، وقيل القرن عشرة أعوام، وقيل عشرون، فهكذا العقود كلها أقوال إلى مائة، وقيل مائة وعشرون، وأطلت الكلام على ذلك فى شرح المخمس لأبى نصر رحمه الله، وعلل القول بأنه سبعون عاما لأنها أغلب أعمار الناس، والقول بأنه مائة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة " تعيش قرنا " فعاش مائة سنة، وهو عبد الله بن بشر المازنى، وصحح هذا. والقرن فى هذه الأقوال نفس الزمان، فيقدر مضاف، أى من أهل قرن، أو سماهم باسم زمانهم، سمى الزمان قرنا لاقترانه بزمان قبله، وزمان بعده، أو بأهله، والقرون المهلكة كقوم نوح، وقوم عاد، وثمود، وكم للتكثير خبرية مفعول مقدم لأهلكنا، ومن قرن بيان لكم نعت لها، وجملة أهلكنا مفعول ليروا، سوغ تسلطه على الجملة تعليقه عن نصب مفردين، أو مفرد وجملة بالاستفهام وذلك المفعول قائم مقام المفعولين، إذ الرؤية علمية، ويجوز أن يكون بصرية لأنها تعلق أيضا، ومعنى رؤيتهم أنهم أبصروا مساكين المهلكين، والعلمية أولى. { مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم } ثبتناهم فى الأرض تثبيتا لم نثبته لكم، أو ثبتناهم فى الأرض التثبيت الذى لم نثبته لكم، فالتمكين الأول بمعنى التثبيت المتعدى لمفعول غير المفعول المطلق، وللمفعول المطلق الذى هو ما الموصولة، أو الموصوفة الواقعة على التمكين بمعنى، والثانى متعد إلى مفعول هو ضمير المصدر محذوف على أنه مفعول به رابط الصلة، أو الصفة، بمنزلة قولك مكناهم تمكينا لم نوقعه لكم، أو التمكين الذى لم نوقعه لكم، ولا يصح رد جعلها موصولة بأنها لا تقع نعتا للمعرفة، لأنا إذا جعلناها موصولة لم نجعلها نعتا للمعرفة، بل نقول هى واقعة على التمكين، وهذا كما تقول فى جاء الذى قام إن الذى واقع على الرجل، وإنما نجعل التمكين منعوتا إذا عبرنا بالذى، وذلك من مكن شئ فهو مكين أى متين وقوى. ويجوز أن يكون مكناهم بمعنى أعطيناهم، فما مفعول به ثان واقعة على القوى، والجسمية والأموال والآلات والعدد والعدة أعطيناهم من ذلك ما لم نعطكم، وعدى نمكن لا ثانى لواحد محذوف، أى نمكنه وضمن معنى ندفع، فعدى الآخر باللام أى ما لم ندفعه لكم. { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } السماء بمعنى المطر، سمى سماء لأنه يجئ من جهة السماء، أو لأنه كان الماء قبل إرساله غالبا مضلا، وكل عال مفضل من فوق يسمى سماء، أو السماء لمعنى السحاب على حذف مضاف، أى ماء السحاب، أو السماء لمعنى السماء الدنيا، أو لمعنى الفلك المحيط، فإن الماء ينزل من السماء، أو من الفلك إلى الأرض، فيقدر مضاف أيضا، أى ماء السماء أو ماء الفلك، ونزل نزول بكثرة بنزول السحاب نفسه، أو السماء نفسها، أو الفلك نفسه على طريق العرب فى المبالغة، ومدرارا متتابعا بكثرة حال، والسماء صفة مبالغة من الدر بمعنى التتابع، وذلك من در اللبن درورا هو دار، أى كثر ورده على الحالب، والخطاب فى لكم لمشركى قريش على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والغيبة فى عليهم لهم أيضا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، هذا ما ظهر، وقيل الخطاب للمؤمنين، وقيل لهم وللناس المعاصرين لهم من أى جنس.

Unknown page