Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء أى أيعظمهم، وبهذا قالت عائشة رضى الله عنها اذ قالت هم أعلم من ذلك، ولكن أرادوا هل تقدر على ذلك منه، وقرأ الكسائى هل تستطيع ربك المثناة الفوقية خطابا لعيسى، وادغام اللام فيها، ونصب ربك، أى هل تستطيع سؤال ربك أن ينزل علينا مائدة، فيكون فى هذه القراءة أن ينزل معمولا للسؤال المقدر، والمائدة الخوان اذا كان عليه الطعام من ماد الماء وغيره يميد اذا تحرك، كأنها تحرك جانبا لامتلائها، أو من مادة اذا أعطاه كأنها تعطى من تقدم اليها كما تقول شجرة مطعمة، وأطعم النخل وتغلبت عليه الاسمية.
[5.113]
{ قالوا نريد أن نأكل منها } أى سألناكها نأكل منها تمتعا وتلذذا، فهذا من عذرنا فى السؤال، وقيل أرادوا أكل جوع، وقد جاءوا حين قالوا وقيل أكل تبرك للدين، وليشفى بها مريضا، ويقوى ضعيفا، ويغنى فقيرا، ولنرى آية سماوية كما رأينا منك آيات أرضية. { وتطمئن قلوبنا } تزيد ايمانا بالمشاهدة على ايمان الغيب. { ونعلم أن قد صدقتنا } أى نزداد علما بأنك قد أخبرتنا بالصدق فى أمر الله ورسالتك، وكلما تخبرنا به، يقال صدقه بتخفيف الدال أى أخبره بالصدق، وقيل المعنى أنك أخبرتنا بالصدق فى قولك ادعوا الله فيما تحبون يجبكم. { ونكون عليها من الشاهدين } اذا استشهدتنا لنخبر بها، أو من الشاهدين بالعين، فانه ليس الخبر كالعيان، وعلى متعلق بمحذوف، والمحذوف خبر، ومن الشاهدين خبر ثان، أى شاهدين عليها من جملة الشاهدين، وقيل بجواز تقديم معمول صلة أل اذا كان ظرفا أو مجرورا بحرف، وقيل على بمعنى الباء، فتتعلق بنكون، والمعنى فى هذا ونكون من أجلها من الشاهدين بالله وكمال قدرته ورسالتك.
[5.114]
{ قال عيسى ابن مريم } حين رأى غرضهم صحيحا فى طلب المائدة، وما شرطوا على أنفسهم، أو رأى لجاجهم فى طلبها حتى انه ان لم يفعل شكوا فى رسالته، أو جزموا بعدها، فأراد الزام الحجة عليهم. { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السمآء تكون } أى يكون نزولها. { لنا عيدا } نعظمه. { لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا } أى المائدة أو الشكر عليها. { وأنت خير الرازقين } وجملة { تكون لنا عيدا } نعت المائدة، وقرأ عبد الله بن مسعود تكون بالجزم فى جواب الدعاء، وقوله { لأولنا } بدل كل من قوله { لنا } باعتبار ما عطف على أولنا، وهو آخرنا، وقرأ زيد بن ثابت لأولانا وأخرانا بضم الهمزة فيهما واسكان الواو والخاء، والتأنيث بالألف، أى للجماعة أو الأمة أولانا وأخرانا، وذلك العيد اتفق أنه يوم الأحد، أجاب الله دعاءه فنزلت يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدا. وقيل العيد السرور العائد، ولذلك يقال يوم عيد، أى يوم فرح يعود، ومعنى كونها عيدا لهم لأولهم وآخرهم أن يكون نزولها عيدا يعظمونه ويصلون فيه، متقدموهم ومتأخروهم، والمراد أولنا وآخرنا معشر بنى اسرائيل، وقال الحسن معشر المسلمين. وقال ابن عباس معناه يأكل منها آخر الناس، كما يأكل منها أولهم لا يتغير آخره، ففى هذا التفسير لا يلزم دوام طعامها، ولا تكرير نزولها، وفى الأقوال قبله يلزم أحدهما، ومنك نعت آية أى آية ثابتة منك، أو نازلة منك دالة على كمال قدرتك، وصحة نبوتى، ومعنى كون الله خير الرازقين أنه خير من يعطى لأنه يعطى بلا من ولا عوض، ويوسع العطاء، وأنه خالق الرزق، والله رازق، والمخلوق رازق ورزق الله أفضل بمعنى أنه الذى يعطى ما لا يعطى المخلوق، وما يعطى المخلوق هو اعطاء من الله على يده. روى أن عيسى عليه السلام قال لهم ذات يوم هل لكم فى صيام ثلاثين يوما لله سبحانه، ثم ان سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا يا معلم الخير ان حق من عمل عملا أن يطعم، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، أرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصوم، وقيل سألوا المائدة كما ذكر الله جل وعلا عنهم، فأمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، وقال لهم انكم اذا صمتم ذلك وأفطرتم فلا تسألوا الله شيئا الا أعطاكم، فصاموا فقالوا له أنجز لنا بما وعدتنا من المائدة بعد صومنا.
[5.115]
{ قال الله } اجابة لدعاء عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. { إنى منزلها } باسكان النون وتشديد الزاى عند نافع وابن عامر وعاصم، وقرأ غيرهم بفتح النون وكسر الزاى مشددة. { عليكم فمن يكفر بعد } بعد تنزيلها. { منكم فإنى أعذبه عذابا } اسم مصدر مفعول مطلق، أى أعذبه تعذيبا أو مفعول به على نزع الخافض، أى بعذاب على أن يراد بالعذاب المعنى الحاصل بالمصدر. { لا أعذبه } الهاء مفعول مطلق ، لأنها بمعنى المصدر لعودها الى العذاب الواقع بمعنى التعذيب، أو على تقدير الباء، أى لا أعذبه وفى الهاء على الوجهين استخدام لا نفى لتذيبه مبنى لفظا على أمكن ثبوته، تقول لا يبصر فيمن يمكن أن يبصر، وللقول جدار أعمى لا يبصر، فعلمنا أن هذا استخدام لأن تعذيب ذلك لا يعذب به ذلك بل مثله من جنسه. { أحدا } مفعول به لأعذب، وليس له مفعولان، لأن الهاء مفعول مطلق، أو على تقدير الباء وجملة لا أعذبه نعت عذابا. { من العالمين } نعت لأحد، وذلك التعذيب فى الدنيا وهو مسخهم قردة وخنازير، والمراد بالعالمين العالمون مطلقا، فان المعتدين فى السبت مسخوا قردة فقط، ومن وراء عذاب الدنيا عذاب الآخرة، وقيل المراد عالموا زمانهم، وقيل مسخوا خنازير ولم يمسح قبلهم أحد خنزير، أو قيل المراد عذاب الآخرة، قال ابن عمر أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. قال قتادة، عن حلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" نزلت المائدة عليها خبز ولحم "
وذلك أن عيسى عليه السلام سألوه طعاما يأكلون منه، ولا ينفد فقال، لهم انى فاعل، وانها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا، فان فعلتم ذلك عذبتم، فما مضى يومهم حتى خبئوا وخانوا، وفى بعض الروايات أن بعضهم سرق منها وقال لعلها ترفع فلا تنزل أبدا فرفعت، ومسخوا قردة وخنازير. وروى أنه لما صاموا الثلاثين يوما التى أمرهم بها قالوا صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، فلبس المسوح، وافترش التراب، ودعا الله عز وجل وقال اللهم أنزل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم. وعن عطاء، عن زادان وميسرة كانت المائدة اذا وضعت لبنى اسرائيل اختلفت عليها الأيدى بكل طعام الا اللحم، وقيل نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شىء، وعن قتادة كانت مائدة تنزل من السماء ، وعليها ثمر من ثمار الجنة، تنزل بكرة وعشية، حيث كانوا كالمن والسلوى، وقيل كانت تنزل ويأكلون منها ما شاءوا.
وعن وهب بن منبه أنزل الله قرصة من شعير وحيتانا، وما كان ذلك يغنى عنهم شيئا، ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويأتى آخرون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال كعب الأحبار رضى الله عنه نزلت مائدة منكوسة، تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، وعليها كل طعام الا اللحم، وقال مقاتل والكلبى استجاب الله تعالى لعيسى عليه السلام وقال { إنى منزلها عليكم } كما سألتم، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا بعده ولعنته، ثم قالوا رضينا، فدعا شمعون الصفار، كان رأس الحواريين فقال هل معك طعام؟ قال نعم، معى سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال على بها فقطعهن صغارا، ثم قال اقعدوا فى روضة وترافقوا رفاقا، كل رفقة عشرة، ثم قال عيسى عليه السلام ودعا ربه سبحانه فاستجاب له، وأنزل بها البركة، فصار خبزا صحيحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى عليه السلام، فجعل يلقى فى كل رفقة ما حملت أصابعه، ثم قال باسم الله، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله، وفضل منه والناس خمسة آلاف ونيف. فقال الناس جميعا نشهد أنك عبد الله ورسوله، ثم سألوا مرة أخرى، فدعا عيسى عليه السلام فأنزل الله تعالى خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع عيسى ما صنع فى المرة الأولى، فلما رجعوا ونشروا هذا الحديث ضحك منهم قوم ممن لم يشهد وقالوا لهم ويحكم انما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة، ومن أراد الله به فتنة رجع الى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبى ولا امرأة، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام وهلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا. عن عطاء بن أبى رباح، عن سلمان الفارسى لما سأل الحواريون المائدة، لبس عيسى الصوف وقال
Unknown page