Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
وفى الآية وجه آخر هو أن يجعل الايمان والأول تصديقا بالفرض، والثانى بالمسنون، والثالث بالنفل، هكذا وباقى الآية كما فى الوجه الأول، فهذا وجه ثالث، وان جعلت باقيها كما فى الثانى كان وجها رابعا، وفى الآية وجه خامس كالأول، الا أن ثم لتراخى الرتب، وسادس كالثانى، وثم لتراخى الرتب، وسابع كالثالث، وثم لتراخى الرتب، وثامن كالرابع، وثم لتراخى الرتب، وتاسع أن يجعل الايمان كله فى الآية بالواجبات وعمل الصالحات فى الموضعين عمل الفرض، والتقوى كلها ترك المحرمات، والعطف للتأكيد، وعاشر أن يكون التكرير باعتبار ما قبل نزول تحريم الخمر والميسر وزمان نزولهما وبعده، وهذا فيما ذكر ثلاثا وهو الايمان والتقوى. وأما ما ذكر مرتين فما قبل نزول تحريمهما، وحال نزولهما مع ما بعده، وحادى عشر أن يكون تكرير ما ذكر ثلاثا باعتبار زمان الشباب، وزمان الكهولة، وزمان الشيوخة، وما ذكر مرتين باعتبار، وثانى عشر أن يكون تكرير ما ذكر ثلاثا باعتبار زمان ابتداء الايمان، وزمان الوفاة وما بينهما، وما ذكر مرتين ما قبل الوفاة، وزمان الوفاة، وثالث عشر أن يكون التكرير باعتبار حال الانسان مع نفسه، وحاله مع الخلق، وحاله مع الله تعالى، وما ذكر مرتين باعتبار حاله مع نفسه، ومع الخلق وحاله مع الله تعالى، وذلك باعتبار الحق لنفسه أو عليهما، واعتبار الحق للخلق أو عليه، واعتبار الحق لله، ورابع عشر أن يكون ما ثلث باعتبار اجتماعه مع الناس، وخلوه عنهم لنفسه، ومعاملته مع الله، وما ثنى باعتبار خلوه لنفسه واجتماعه بالخلق، وباعتبار معاملته الله تعالى، وخامس عشر أن يكون تكرير الايمان باعتبار الايمان التقليدى، ثم التقليدى اليقينى، ثم الايمان القوى جدا، الذى هو عيان العمل الصالح مرتب عليه فى أحواله الثلاث، وما ثنى مرتب عليه باعتبار التقليد، واعتبار ما عداه، وسادس عشر أن يتكرر التقوى باعتبار ترك المحرم، واعتبار ترك الشبه، واعتبار ترك بعض المباح لئلا تقسو به نفسه، فيتدرج به لما لا يحل ويتكرر الايمان معهن وما ثنى باعتبار ما وجب، واعتبار ما لم يجب، ونزيد على هذه الأقسام الخمسة عشر قسما هو أن فعل الاحسان مع كل واحد غير الأول كمال الخشوع والتواضع فيهن، وان فسرت التقوى الأولى باتقاء الشرك، والثانية باتقاء الكبائر والثالثة باتقاء المعصية مطلقا زادت الوجوه.
{ والله يحب المحسنين } ينعم عليهم بالجنة ولا يعذبهم، فمن فعل ذلك كان محسنا، وعن ابن مسعود
" لما نزل قوله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية، قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت منهم، قيل قال بعض يا رسول الله أمنهم ابن مسعود؟ فقال نعم ".
[5.94]
{ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم لعلم الله من يخافه بالغيب } وقرأ ابراهيم يناله بالتحتية، والله ليعاملنكم الله معاملة من يختبركم، هل تحذرون ما حذركم عنه، وهو تعالى عالم بكم بتحريم شىء مما يصاد من البر، ليس فى اجتنابه صعوبة تنال أيديكم ما ضعف منه، ورماحكم ما قوى منه، ليعلم الله من يخاف الله وهو باطن عن حواسه فيجتنبه أن يصيده علما مطابقا حين اجتنبه، لعلمه فى الأزل أنه سيجتنبه. ونزلت الآية عام الحديبية وهم محرمون بالعمرة، وكانت الوحش تغشاهم فى رحالهم، وكثرت وتمكنوا من أن يصيدوها بالأيدى والرماح، فما ضعف أو قرب جدا أو كان فرخا أو بيضا أو وليدا لا يفوت برجليه أو جناحيه يمكن صيده بالأيدى، وما قوى كالبقرة الوحشية يمكن صيده بالرماح، ويقدر مضاف فى قوله بشىء أى بتحريم شىء، ويجوز أن لا قدر لأن نفس الذى يصاد مبتلى به اذا رأى، لأنه يراه الرائى فربما أسرع اليه ونكر شيئا ووصفه بمن التبعيضية تحقيرا له، وتقليلا وتسهيلا له كيف لا يجتنبونه، وليس اجتنابه مما يصعب فضلا عن أن تزل أقدامهم بارتكاب صيده، فمن لا يجتنبه فكيف يجتنب ما هو أعظم منه مما حرم عليه كبذل المال أو النفس لله تبارك وتعالى. ومن الصيد نعت لشىء كما مر، ويجوز أن تكون من فيه للبيان لحقيقة الصيد، ووجه التبعيض أنه ما خص لهم فى الحديبية اذ هو المراد فقط، وأما العموم فمذكور بعد، والصيد بمعنى الوحش الذى يصاد من دابة أو طائر، وليس مصدرا لأن الصيد بالمعنى المصدرى ليس جسما تحبسه اليد أو الرمح، ومعنى يعلم الله يتعلق العلم الأزلى بمن يخافه فى حين خوفه كما علم خوفه أنه سيخاف، وقيل ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف، وقيل ليعلم أولياء الله من يخافه، وجملة تناله أيديكم نعت لشىء أو حال منه أو من الضمير فيه من الصيد، ومعنى يخافه يخاف عقابه أو يخافه اجلالا، وبالغيب متعلق بيخاف، والباء بمعنى الفاء، أو بمحذوف حال من المستتر فى يخاف، أو من الهاء فان الله باطن لا يشاهد بالحواس، ولو كان لا يقال له غائب الا على معنى أنه حاضر لا يحس، ويجوز أن المعنى يخاف فى خلوته عن الناس، فلا يصيد كما لا يصيد بحضرتهم. { فمن اعتدى بعد ذلك } المذكور من الابتلاء والتحريم، فاصطاد حال احرامه فى موضع آخر غير الحديبية أو فيها، أو احرام آخر أو عالم آخر. { فله عذاب أليم } فى الآخرة، فالصيد فى الاحرام ذنب كبير، وقيل هو أن يوجع ظهره وبطنه عار بين، ومن تخليط قومنا فى هذا أنه تؤخذ ثيابه كما تؤخذ ثياب المشرك، قال بعض قومنا يسلب القاتل لصيد حرم المدينة، والقاطع شجرها، فظاهر اطلاق الأئمة أن السلب لا يتوقف على اتلافه، بل بمجرد الاصطياد وسلبه كسلب قتيل الكفار عند الأكثر، وقيل ثيابه فقط، وقيل يترك له ساتر العورة فقط، وهو الصحيح عندهم، ثم هو للسالب، وقيل لفقراء المدينة، كجزاء الصيد، وقيل لبيت المال.
[5.95]
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } أى محرمون بحج أو عمرة أو بهما، فان المحرم لا يصيد ولو فى الحل، والمفرد حرام يقال فلان حرام بحج أو عمرة، أى محرم وقيل وأنتم داخلون فى الحرم ولو لم تحرموا بحج أو عمرة، وذلك أن صيد الحرم حرام على المحرم، وقيل المعنى وأنتم داخلون فى الحرم أو محرمون بحج أو عمرة، وهذا القول فيه جمع كلمتين بمعنيين مختلفين بلفظ واحد، كقولك عيون فى عين الشمس وعين الماء، وعين الوجه، وهو لا يجوز على الصحيح، والمشهور التفسير الأول. ووجه التفسير الثانى وهو تفسير الحرم بمن دخلوا الحرم، أن النهى عن تحريم الصيد على من أحرم بحج أو عمرة أو بهما مأخوذ من قوله
وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما
فيبقى هذا التحريم صيد الحرم، فلا تكرير، ويؤيد الأول ما روى أن الآية نزلت فى أبى اليسر، شد على حمار وحش فقتله وهو محرم فى عمرة الحديبية عمدا، وذكر القتل فى قوله { لا تقتلوا } ولم يقل لا تذبحوا مثلا ليعم أنواع ازهاق الروح، سواء بالذكاة الشرعية على أنواعها أو بغيرها، والصيد هنا ما يصاد من الوحش، وليس مصدرا والمراد ما يؤكل لحمه، ولكن يحمل عليه ما لا يؤكل، وستثنى ما ورد فى الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم
" خمس يقتلن فى الحل والحرم الحدأة والغراب، والعقرب والفأرة والكلب العقور "
Unknown page