Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء }
" لما انقضت بدر وظهر غدر من بنى قينقاع أراد النبى صلى الله عليه وسلم قتلهم، فقام دونهم عبد الله بن أبى سلول مخاصما وقال يا محمد أحسن فى موالى فانى أمرؤ أخاف الدوائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد وهبتهم لك "
فنزلت الآية. وفى رواية نزلت فى عبادة بن الصامت رضى الله عنه، وعبد الله بن أبى بن سلول، قال عبادة
" ان لى أولياء من اليهود كثيرا عددهم، شديدة شوكتهم، وانى أبرأ الى الله ورسوله من ولايتهم، ولا مولى لى الا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبى لكنى لا أبرأ من ولاية اليهود، يعنى يهود بن قينقاع، فانى أخاف الدوائر ولا بد لى منهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم " يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه " فقال لعنه الله اذن قيل "
فأنزل الله هذه الآية. وقال السدى لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس ويخافون أن تكون الدولة للمشركين قريش وغيرهم، فقال رجل من المؤمنين أنا ألحق بفلان اليهودى وآخذ منه أمانا انى أخاف أن تكون الدولة لليهود، وقال رجل آخر أنا ألحق بفلان النصرانى بالشام، وآخذ منه أمانا فأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة نزلت فى أبى لبابة وعبد المنذر لما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم الى قريظة حين حدهم فاستشاروه فى النزول، وقالوا ماذا يصنع بنا اذ أنزلنا، فجعل أصبعه فى خلقه أشار الى أنه الذبح، وأنه يقتلكم فنزلت الآية. { بعضهم أولياء بعض } بعض اليهود أنصار لبعض على المؤمنين والنصارى، يد واحدة على من خالفهم والعياذ بالله، والمشركون كلهم بعضهم أولياء بعض، اذ قابلوا المؤمنين لاجتماع مللهم على الكفر، والله مع المؤمنين، فكيف توالون أيها المؤمنون بالحب والنصح والاعتماد من خالف دينكم، بل هم يتوالون على معاداتكم لأنهم جميعا على الكفر، ونعوذ بالله. { ومن يتولهم منكم } بالحب من قبله والنصح أو باخبارهم بخبر المؤمنين. { فإنه منهم } أى مثلهم فى غضب الله، ودخول النار، وان تولاهم بتصويب دينهم أو بعضه، فهو مثلهم فى ذلك وفى الشرك، ولا تترآى نار المؤمن والمشرك الا على حرب، وقيل معنى الآية من يتولهم باضمار الشرك فانه مشرك مثلهم لا ينفعه عند الله ما نافق به من اظهار الايمان، والواجب على الموحد أن لا يجالس المشرك ولو كتابيا الا لضرورة، ولا يستعلمه كتابا أو بوابا أو طبيبا. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لأبى موسى فى كتابه النصارى لا تكرموهم اذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم اذ خونهم الله، ولا تدنوهم اذ أفضاهم الله، وقال له أبو موسى لأقوام البصرة الآية فقال ما النصرانى والسلام، أى هب أنه مات كما كنت صانعا فاصنعه الآن، واستعن بغيره، وروى أنه قال لعمر ان لى كتابا نصرانيا، فقال مالك وله قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا يعنى مسلما، أما سمعت قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } فقال له دينه ولى كتابته فقال لا أكرمهم اذ أهانهم الله، وقال صلى الله عليه وسلم
" لأن عشت لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها الا مؤمن "
فمات قبل أن يفعل ذلك. { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } لأنفسهم وغيرهم بولاية اليهود والنصارى أو غيرهم من المشركين.
[5.52]
{ فترى الذين فى قلوبهم مرض } شك فى نبوتك وفى دين الله، وهم عبد الله بن أبى، وأشباهه من الشاكين. { يسارعون فيهم } أى فى موالاتهم، أى فى موالاة اليهود والنصارى، وهذه الموالاة شاملة لما مر من حبهم أخذ الأمان من اليهود والنصارى حين خافوا أن يدل على المسلمين، وشاملة لمخالطتهم لهم بأبدانهم وقلوبهم لثروتهم ويسارهم فلشمولهم يكون قوله { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } بدل بعض من قوله { يسارعون } لأن هذا القول من جملة المسارعة، أو حال من واو تسارعون، وان قلنا المراد بالمسارعة أفهم ما مر من حب أخذ الأمان كان بدلا مطابقا، والدائرة نائبة الدهر كالحرب الغالب، والجدب وعدم تمام أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. { فعسى الله أن يأتى بالفتح } لرسوله صلى الله عليه وسلم، واظهار المسلمين على أعدائه بغلبتهم على اليهود والمشركين، وذلك عام، وقيل المراد فتح مكة، وقيل فتح بلاد اليهود كخيبر وفدك، وقد أظهر الله دينه على الدين كله. { أو أمر من عنده } سبب فيه لأحد يفعل مثل أن يهلكهم بطاعون أو صاعقة كلهم، أو أمر من عنده هو الاجلاء الى الشام أو الالقاء الى الرعب، أو هو اظهار أسرار المنافقين وقتلهم، وعسى من الله واجبة، ولا يوصف بالشك، فالمراد حمل المؤمنين على الطمع فى أن يفعل الله هذا وهذا، ولا يناقضه فعل الله للفتح والأمر معا. { فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم } من اخبار اليهود بأسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنهم اذ أمره صلى الله عليه وسلم لا يتم، وشكهم فى رسالته وصدقه، { نادمين } ولا سيما ما لم يسروه، بل أظهروه فانهم أشد ندما عليه، وهم عبد الله بن أبى كما قرأ ابن الزبير، فيصبح الفساق على ما أسروا فى أنفسهم نادمين، وقيل كان عبد الله بن أبى يظهر أنه يستبقى موالاة اليهود لنصرة النبى صلى الله عليه وسلم، وأن هذا هو الرأى وأبطن خلاف ذلك.
[5.53]
Unknown page