Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
[4.63]
{ أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } من النفاق. { فأعرض عنهم } أى عن عقوبتهم، أو عن قبول عذرهم لعلم ما فى قلوبهم، فهو كافيكهم، ثم نزل القتال أى عن توبيخهم بحضرة الناس، وعظهم سرا كما فسر به { وقل لهم فى أنفسهم }. { وعظهم } بوعيد المنافقين الدنيوى والأخروى. { وقل لهم فى أنفسهم } أى فى شأن أنفسهم وما زلت أقوله حتى رأيته ببعض من كتب على القاضى، والحمد لله. وقال السفاقصى المعنى قل لهم خاليا بهم، لأن النصح اذا كان فى السر كان الحج أو قل لهم فى حال أنفسهم النجسة، المنطوية على النفاق، وهذا الوجه الآخر من كلامه موافق لما قلت، وهو مراد القاضى، وصرح به السيوطى، وفى أنفسهم متعلق بقل، أى أثبت القول البليغ فى أنفسهم لا ببليغا، لأن معمول النعت لا يتقدم على المعمول إلا شاذا أو ضرورة. { قولا بليغا } أى مؤثرا فى نفوسهم زاجرا لها، وأصلا لها، كما يصل الصبغ أجزاء المصبوغ، بأن يبالغ فى زجرهم عن الذنوب والتوبة بالترغيب والترهيب، ولو بالتكرير والاطناب، أو بما يخرج به الكلام عن البلاغة فى اصطلاح أهل المعانى، غير أنه لا يصدر منه صلى الله عليه وسلم كلام خارج عن البلاغة التى فى اصطلاح أهل المعانى. وفسر بعضهم البلاغة فى الآية بكون الكلام حسن الألفاظ، حسن المعانى، مشتملا على الترغيب والترهيب، والاعذار والانذار، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فبذلك يؤثر فى القلوب، وقيل القول البليغ التخويف بالله عز وجل، وقيل أن يوعدهم بالقتل ان لم يتوبوا من النفاق، وقيل أن يقولوا لهم ان أظهرتم ما فى قلوبكم من النفاق، وقتلتم، لان هذا القول يبلغ فى نفوسهم كل مبلغ، وقيل أن يقول أن الله يعلم ما فى قلوبكم من النفاق، فما أنتم إلا كمن أظهر ما فى قلبه من الشرك، وانما رفع عنكم السيف والسلب، لإيمان ألسنتكم، والله قادر على أن ينزل فيكم السيف والسلب، أو داهية. وقيل القول البليغ فى الأصل هو الذى يطابق مدلوله المقصود به، وقد قيل خير الكلام ما شوق السماع أوله الى سماع آخره، وقيل أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وقيل لا يستحق اسم البلاغة إلا اذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه الى السمع أسبق من معناه الى القلب، وقيل البلاغة فى الجملة ايصال المعنى الى الفهم فى أحسن صورة من اللفظ، وقيل البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى، وهذا صادق بالفصاحة، وقيل سرعة الايجاز مع الافهام، وحسن التصرف من غير إضجار، وقد قيل البلاغة مأخوذة من بلوغ المراد.
[4.64]
{ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } أى لتطيعه أمته فيما يأمرهم به من طاعة الله، بأمر الله لهم أن يطيعوه، فطاعة الرسول طاعة لله، فكيف تخالفون أيها المنافقون حكمه، وترغبون فى غيره، فقد استوجبتم القتل بكفركم به فى قلوبكم، وبمعاندتكم من أرسله الله ليطاع، وقيل باذن الله بمعنى بعلمه وقضائه بطاعة من يطيعه، والباء يتعلق بيطاع. { ولو أنهم إذ ظلموا } بالنفاق والتحاكم الى الطاغوت. { أنفسهم } أى ولو ثبت أنهم الخ، وإذ متعلق بخبر أن وهو قوله { جآءوك } أى ولو ثبت مجيئهم بالتوبة إذ ظلموا أنفسهم اليك، واستغفارهم الله، واستغفار الرسول لهم كما قال { فأستغفروا الله واستغفر لهم الرسول } مقتضى الظاهر أن يقال فاستغفرونا واستغفرت لهم بالاضمار لكان أظهر، ليذكر نفسه بلفظ الجلالة الجامع للكمالات التى منها قبول اعتذار المعتذر، التائب، ويذكر نبيه باسم الرسول، اشارة الى أن من شأن الرسول قبول التوبة والاعتذار، ويفحمه باسم الرسول. { لوجدوا الله توابا } قابلا للتوبة قبولا عظيما كثيرا. { رحيما } منعما عليهم فى الدنيا والآخرة رحمة عظيمة كثيرة، ووجد بمعنى صادف، فيكون توابا حالا، ورحيما حالا ثانية، أو حالا من الضمير فى توابا، وأجيز أن يكون بدلا من توابا، ولكن البدل بالمشتق ضعيف، أو وجد بمعنى علم، فتوابا مفعول ثان، ورحيما مفعول ثان متعددا، أو حال من ضمير توابا، أو بدل على ما مر. وقال الشيخ هود رحمه الله عن الحسن
" إن قوما من المنافقين اتفقوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكر، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك، فأتاه جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن قوما دخلوا على يريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا ليستغفروا الله حتى أستغفر لهم " فلم يقوموا فقال " قوموا " فلم يفعلوا، فقال عليه الصلاة والسلام " قم يا فلان قم يا فلان " حتى عد اثنى عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب الى الله عز وجل من ظلم أنفسنا، فاستغفر لنا. فقال " الآن اخرجوا ما كنت فى بدء الأمر أقرب الى الاسغفار، وكان الله أقرب الى الاجابة اخرجوا عنى ".
قال العتبى كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقد جئتك مستعفيا من ذنوبى، ومستغفرا الى ربى وفى رواية مستغفرا من ذنوبى، مستشفعا بك الى ربى ثم أنشأ يقول
يا خير من دفنت فى التراب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، فحملتنى عيناى فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا أعرابى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له.
[4.65]
{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } لا مؤكدة للقسم، لا نافية لما نفت لا بعدها خلافا لبعض، فقد اعتيد زيادتها قبل القسم لتأكيد القسم، كما يقال لا والله قام زيد، والمراد تأكيد القسم، وأن زيدا قام لا محالة. واختار الطبرى أنها نافية لما قبل، أى ليس الأمر كما زعموا أنهم آمنوا بما أنزل اليك وهم يخالفون حكمك، ومعنى يحكموك، يجعلوك حاكما أى يأتوك لتحكيم بينهم راضين بحكمك، وشجر اختلف واختلط، وسمى الشجر شجرا لأن أغصانه تداخلت واختلفت، ولم يرض الله بتحكيمهم أياه صلى الله عليه وسلم، بل شرط أن ترضى قلوبهم بحكمه، ولا يضيق به بحيث ينسبونه للجور، ولا مؤاخذة على ما يصعب طبعا من الحق اذا عمل به المحكوم عليه، وعلم أنه الحق والحرج الضيق، أو هو الشك، أى لا يشكوا فى أن ما قضيت حق، ولكن الشك أيضا ضيق، فان الشاك فى ضيق، وما اسم موصول، أى مما قضيته، أو حرف مصدر أى من قضائك، ومن للتعليل أو سببية أو للآلة، أو ابتدائية، أى حرجا متولدا، ففى هذا تتعلق بصفة محذوفة كما رأيت، أو يجدوا، وفى سائر الأوجه يجوز ذلك، وتعليقه بحرجا، ومعنى التسليم انفاذ ما قضى عليهم به بعد اذعان قلوبهم له، والآية نزلت فى شأن المنافق واليهودى المذكورين عند الشعبى ومجاهد، ورجحه الطبرى لأنه أنسب بما قبله. وقالت طائفة نزلت فى حاطب والزبير،
Unknown page