Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
" قوله صلى الله عليه وسلم لقائل إن فى حجرى يتيما أفآكل من ماله؟ " تأكل بالمعروف غير متأثل مالا ولا واقيا مالك بماله "
فالمراد إذ فيه ما ذكرته إن شاء الله لا الأكل مطلقا تعنى أو لم يتعن مقدار عنائه أو أكثر، بل سوق الآية بعد قوله { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا } نهى للأولياء أن يأخذوا أو ينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم
" غير متأتل مالا "
زجر عن الرغبة حتى يكون يجمع لنفسه مالا من مال اليتيم، وإشارة إلى أن يكون إنما يأخذ قوتا أو نحوه، وقد فسر مجاهد وسعيد بن جبير المعروف بالفرض إذا احتاج، وإذا أيسر رد ويدل له قول عمر بن الخطاب فى كتابه إلى عمار وعبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف سلام عليكم أما بعد فإنى قد رزقتكم كل يوم شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإنى نزلت نفسى وإياكم من قال الله بمنزلة ولى اليتيم، فمن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت، ولا تبطل.
هذا ما روى عن الحسن والشعبى وقتادة أنه لا يرد ما أكل من يكون أجره له على عمله، لأنه اقترضت ما زاد على عنائه رد الزائد، وعن الشعبى لا يأكل إلا إن اضطر إليه، كما يضطر إلى الميتة، وليس كما قيل عن عكرمة وعطاء أنه يأكل ولو لم يتقن بأطراف أصابعه ولا يسرف، ولا يكتسى من الكتان والحلل، بل ما يسد به الجوع، وما يستر به العورة، فإنه ليس له ذلك إن لم يتقن، وعن عائشة رضى الله عنها وجماعة المعروف، أن يأخذ من ماله بقدر عمله وقيامه، ولا يرد. وعن الكلبى ركوب الدابة واستخدام العبيد لا لأكل المال. وقال الحسن هو أن يأكل من تمر نخيله، ومن لبن مواشيه بالمعروف، ولا قضاء عليه، وأما الذهب والفضة فلا يأخذ، فإن أخذ رد. وقيل أن يشرب من اللبن، ويركب الدابة ويستخدم العبيد إن لم يضر بالمال لقوله تعالى. { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } أنهم قبضوا، فحكم فى الأموال بدفعها إليها، أى إذا أردتم الدفع فأحضروا عدلين يحضران عند الدفع واستشهدوهما بحضرة اليتيم، إذ لو دفع بلا حضور منهما ثم أراد استشهادهما لم يدر لعل اليتيم لا يقر، فإن أقر شهدا، فإن علة الإشهاد خوف الإنكار، ولا يصدق لا بينة، إن ادعى الدفع، فإذا أشهدهما زالت التهمة عنه، فلا يقال ضيع مال اليتيم أو خان فيه، ولا يخاصمه اليتيم بعد، ولا يضمن بعد. وقد صلى الله عليه وسلم
" اتقوا مواقع التهم "
وقال أبو حنيفة وأصحابه يصدق بلا بينة، لأنه لو لم يقبل قوله لامتنع الناس من قبول الوصايا، فيختل الأمر، ولكن الإشهاد مندوب عندهم. وقال الجمهور إنه للارشاد وأنه وإن لم يقر اليتيم، وزعم بعض وإنه إن لم يقر اليتيم، حلف الولى ولم يغرم، والصحيح أنه يحلف اليتيم ويغرم الولى. { وكفى بالله حسيبا } الله فاعل كفى والباء صلة للتأكيد، وحسيبا حال أو تمييز والاشتقاق ضعيف فى التمييز، ومعناه محاسبا، كقوله حسيبه الله أى محاسبه على ظلمه، أو بمعنى كافيا، كقوله حسيبك الله. أى كافيك، والأول أولى، لأنه أنسب بالوعيد على مال اليتيم. كأنه قيل محاسبكم على مال اليتامى هو الله عز وجل، الذى لا يخفى عليه، فخافوا عقابه على أن تأكلوا بلا معروف، أو لا تدفعوها كلها بأن تكتموا شيئا.
[4.7]
{ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } رد على من لا يورث النساء، والنصيب نصيب الميراث، والأقربون الذين يورثون. توفى أوس بن ثابت الأنصارى أخو حسان بأحد - لا أوس بن الصامت فإنه مات فى خلافة عثمان - وترك أوس بن ثابت زوجة أم كحة - بالحاء المهملة وضم الكاف - وثلاث بنات منها، فقام سويد وعرفجة وهما أبناء عمه، وهما أيضا أوصياءه، فأخذا ماله كله، وذلك أن أهل الجاهلية لا يورثون النساء والذكور الصغار، ويقولون لا نعطى الإرث إلا من قاتل وحاز الغنيمة، وحمى الحوزة،
" فجاءت أم كحة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت وهو فى مسجد الفصيح يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، مات أوس بن ثابت وترك ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندى ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا، وهو عند سويدو عرفجة ولم يعطيانى ولا لبناته منه شيئا وهن فى حجرى ولا يطعمن ولا يسقين؟ فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله إن ولدها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلا، ولا ينكين عدوا "
Unknown page