Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ لتبلون فى أموالكم وأنفسكم } أى والله لتصابن فى أموالكم وأنفسكم، أو لتعاملن معاملة المختبر بالمصائب، كآفات المال وتكليف الإنفاق فى الجهاد، وكالمرض والقتل، وفقد الأقارب والعشائر، فوطنوا أنفسكم للصبر على الشدائد فتثابوا، والأصل لتبلوونن، حذفت نون الرفع التالية للواو تخفيفا لتوالى ثلاث نونات، ولم تحذف نون التوكيد، لأنه لا دليل عليها، ولم يحذف النون الساكنة منها، لأن حذفها تصرف فى حرف المعنى بحذف بعضه، ولأنه لو حذفت لأدى إلى إدغام نون الرفع فى باقيتها فيوهم أنها مشددة، ونون الرفع كالحركة، إذ نابت عنها، وحذف الحركة أولى من حذف الحرف، ولا تدل على معنى ونون التوكيد تدل على المعنى، وحذف لام يدل أولى، وقلبت الواو الأولى وهى لام الكلمة ألفا لتحركها بعد الألف ما فالتقى ساكنان هذه الألف، وواو الجمع، وهى الواو الثانية بل ثلاثة ثالثها النون المدغمة من نون التوكيد، حذفت الألف لأنها لغير معنى إذ هى حرف هجاء، وواو الجمع ضمير لمعنى، وضمتا الواو لتدل على الواو المحذوفة بعد قلبها ألفا، ولئلا تلتقى ساكنة مع المدغم بعدها، والألف تدل عليها الفتحة. { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } اليهود والنصارى. { ومن الذين أشركوا } كمشركى العرب. { أذى كثيرا } مفعول لتسمعن وأصله تسمعونن، حذفت نون الرفع لتوالى ثلاث نونات، وكانت أولى بالحذف لأنها كحركة، ولأن حذف المدغمة تصرف فى الحرف بحذف بعضه، ولأنه يؤدى إلى إدغام نون الرفع فى المتحركة الباقية، فيوهم أنها كلها نون التوكيد، وحذف نون التوكيد كلها يفوت المعنى، إذ لا دليل عليها، فالتقى ساكنان الواو والنون المدغمة، حذفت الواو لدلالة الضمة لا المدغمة، لأن حذفها يوهم الثابتة أنها نون الرفع فيفوت معنى التوكيد لعدم دليل. والأذى الكثير هجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فى الدين، وكل كلام يغرى الكفرة على المسلمين، وكل كلام مخبر أنهم فعلوا شرابهم، وعن عكرمة سبب نزولها قول فنحاص إن الله فقير ونحن أغنياء، وما مر من استمداده. وقال الزهرى سبب نزولها كعب بن الأشرف حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله، إذ قال، صلى الله عليه وسلم، من لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله بالهجاء شعرا، فقال محمد بن مسلمة أتحب أن أقتله؟ قال نعم. قال إئذن لى أن أقول. قال قل فأتاه، فقال إن هذا الرجل يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراد الصدقة، ووفد عنانا ولما سمعه قال وأيضا والله لتملنه، فقال قد اتبعناه ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أى شىء يصير أمره. قال وقد أردت أن تسلفنى سلفا. قال فما ترهن لى؟ أترهن لى نساءكم؟ قال إن أجمل العرب ترهن لك نساءنا.
قال ترهنونا إلى أى شىء أولادكم؟ قال يسب ابن أحدنا فيقال رهن فى وسقين من تمر، ولكن نرهن لك السلاح ، قال نعم، وواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس وابن عيسى بن جبر، وعياد بن بشر، فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم، قالت امرأته إنى أسمع صوتا كأنه صوت دم. قال إنما هو محمد بن مسلمه، ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم لو دعا إلى طعنة ليلا لأجاب، قال محمد بن مسلمة فى الباب أنى إذا جاء فسوف أمد يدى إلى رأسه، فإذا تمكنت منه فدونكم فنزل متوحشا سيفا، فقال محمد بن مسلمة نجد منك ريح الطيب، قال نعم تحتى فلانة أعظم نساء العرب. قال أفتأذن لى أن أشم منه. قال نعم، فشم فتناول فشم ثم قال أتأذن لى أن أعود فاستمكن من رأسه، ثم قال دونكم فقتلوه، وفى رواية فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة فذكرت سلاحا كان عندى وقد صاح عدو الله صيحة، لم يبق حصن إلا أوقدت عليه النار فوضعته بين ثدييه وتحاملت عليه، حتى بلغت عانته ووقع عدو الله، وأصيب الحارث بن أوس بجرح فى رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا وقد ابطأ عنا صاحبنا الحارث فوقفنا له ساعة، حتى أتانا يتبع آثارنا، فحملناه وجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل، وهو قائم يصلى فسلمت عليه فخرج علينا فأخبرناه بقتل كعب بن الأشرف، وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا، فرجعنا إلى أهلنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه. { وإن تصبروا } على أذاهم. { وتتقوا } تحترزوا عما نهيتم عنه وما لا ينبغى. { فإن ذلك } المذكور من الصبر والاتقاء. { من عزم الأمور } عزم مصدر بمعنى اسم مفعول، أضيف للأمور إضافة صفة لموصوف، أى من الأمور المعزوم عليها، أى من الأمور التى من شأنها أن يعزم عليها حتما لقوة نفعها، أو من الأمر التى يعزم عليها من يعتبر عزمه كالأبناء والولى، فالولى أو من الأمور التى عزم الله عليها، أى أمر بها أمرا أكيدا، وأصل العزم ثبات الرأى على الشىء، والتوجه نحو إمضائه، وليست الآية مما ينسخ بآية السيف، كما قيل أنها قبل نزول القتال، فنسخت به لأن الصبر والاتقاء مما يؤمر به، ولو بعد نزول آية القتال فإنه واجب أن يصبروا على الأذى من المشركين وغيرهم بمعنى أن لا يجزعوا ولا يسخطوا قضاءه، وقيل الظاهر أنها نزلت عقب أحد فى إيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريف الأقوال بينهم، وفى مداراته لهم فيكون الصبر على تحمل ذلك، وعلى الجهاد العزم استعداد النفس للمكاره، لتهون عليه إذا وردت كما هو حكمة فى الإخبار بالبلاء، وسمع الأذى لأنهما سيكونان.
[3.187]
{ وإذ أخذ الله } أى واذكر وقت أخذه. { ميثاق الذين أوتوا الكتاب } اليهود والنصارى. { لتبيننه للناس ولا تكتمونه } الهاءان للكتاب وجملة تبيننه جواب القسم، وهو ميثاق، أو جواب قسم يقدر، أى قائلا والله لتبيننه والخطاب على طريق الالتفات من الغيبة إليه، وقد قرأ على مقتضى الظاهر من الغيبة ابن كثير، وأبو عمرو عاصم فى رواية ابن عباس عنه ليبيننه للناس ولا يكتمونه بالياء التحتية. { فنبذوه ورآء ظهورهم } أى طرحوا الميثاق وراء ظهورهم، أى أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه. { واشتروا به } أخذوا به أى بدل الميثاق. { ثمنا قليلا } من مال وجاه برياستهم. { فبئس ما يشترون } لأنفسهم وهو الثمن القليل، وكل الدنيا قليل إلا ما كان منها لله، أو ما مصدرية، أى بئس شراؤهم هذا، والآية عمت بالمعنى كل عالم فإنه يلزم كل عالم أن لا يكتم العلم وأن يبينه للناس، ويحرم عليه أن يشترى به شيئا. وقد قيل نزلت فى كل عام، ونسبه بعض للجمهور والكتاب جنس كتب الله، فشمل القرآن والتوراة والإنجيل، وغيرهما. قال صلى الله عليه وسلم
" من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار "
فعلماء هذه الأمة داخلون فى هذا الميثاق، وعن على ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. وقال طاووس لوهب إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب لو كنت نبيا فكتمت علما كما تكتمته، لرأيت الله يعذبنى، وعن أبى هريرة لولا هذه الآية ما حدثتكم { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } وعن محمد بن كعب لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه، ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله، حتى يسأل. وعن الحسن بن عمارة أتيت الزهرى بعد أن ترك الحديث، فألفيته ببابه، فقلت أريد أن تحدثنى. فقال أما علمت أنى قد تركت الحديث؟ فقلت إما إن تحدثنى، وإما أن أحدثك. فقال حدثنى الحكم بن عيينه عن يحيى بن الخراز، قال سمعت على بن أبى طالب يقول ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. قال فحدثنى أربعين حديثا.
[3.188]
{ لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } مفعوله الثانى محذوف، أى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة، أى ثابتين بمفازة، دل عليه قوله بمفازة من قوله تعالى { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } فمفازة مفعول ثان لتحسب الثانى، أو لا تحسبنهم تأكيد للاتحسبن الذين، وبمفازة " مفعول ثان للاتحسبن الذين، وقرئ كما مر، تحسب الأول، والثانى بالتحتية فيكون { الذين } فاعل يحسب الأول، ومفعولاه محذوفان، أى { لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أنفسهم بمفازة من العذاب، ويحسب الثانى مضموم الباء وفاعله ضمير الذين المحذوف، لالتقاء الساكنين وهو الواو مفعوله الأول، وهو عائد أيضا إلى الذين، وبمفازة مفعوله الثانى، أى لا يحسبن أنفسهم بمفازة من العذاب، والجملة الثانية تأكيد للأولى، فقد يستدل به على جواز قرن التوكيد الجملى بالفاء، والقارئون هنا بالتاء، أو الباء هم القارئون هنالك. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ لا تحسبن الذين بالخطاب وضم الموحدة، فيكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين على حذف واو الجماعة، وكذا تحسب الثانى والمفعولان على حد ما مر، ومعنى قوله { بما أتوا } بما فعلوا من التدليس وكتم الحق، ومعنى { بما لم يفعلوا } بالوفاء بالميثاق وإظهار الحق، والإخبار بالصدق اللاتى لم يفعلوها، وزعموا أنهم فعلوها أى لا تحسبن هؤلاء فائزين من العذاب، أى ناجين منه، والمفازة مصدر ميمى، أى فى نجاة أو اسم مكان، على خلاف القياس بالتاء فيه، أى فى أرض فوز أو جهة فوز، أى فى موضع نجاة من العذاب. { ولهم عذاب أليم } يكفرهم وتدليهم. قال الحسن دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإسلام فأصروا على دينهم، فخرجوا إلى الناس، فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد؟ فقالوا آمنا به ووافقناه فأنزل الله تعالى { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } أى فرحوا بما فى أيديهم حين لم يوافقوا محمدا، ويحبون أن يحمدوا، بأنهم آمنوا ووافقوا، وقال الكلبى نحن أهل الكتاب الأول، وأهل العلم، وأهل الصلاة، وأهل الزكاة، ولم يكونوا كذلك أحبوا أن يحمدهم الناس بما لم يفعلوا. وعن مجاهد يفرحون بما أتوا من تبديل التوراة حرفوها عن مواضعها، ففرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أى أن يحمدوا على أن عندهم بذلك علما، وليس لهم علم بما حرفوا، إنما ابتدعوه من قبل أنفسهم. وروى أن يهود خيبر أتوا نبى الله فزعموا أنهم راضون بالذى جاء به، وأنهم يبايعونه، وهم مستمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبى الله بأمر لم يفعلوه، وروى أنه صلى الله عليه وسلم، سأل اليهود عن شىء مما فى التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها، وأروه أنهم قد صدقوه، أى أروه أنهم قد أخبروه بصدق وفرحوا بذلك، وهم لم يفعلوا الإخبار بالصدق، ونزلت فى ذلك.
وقال أبو سعيد الخدرى نزلت فى قوم من المنافقين، تخلفوا عن الغزو، ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة فى التخلف، وأحبوا أن يحمدوا على تلك المصلحة، وهم لم يفعلوها، وقيل نزلت فى قوم من المنافقين، يفرحون بمنافقتهم، ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان الذى لم يفعلوه على الحقيقة، وعن ابن عباس نزلت فى فنحاص، وسبيع وأشباههم من اليهود الذين يصيبون الأموال على ما زينوا للناس من الضلالة، ويحبون أن يحمدوا على العلم وليسوا بعلماء، وهذا مثل ما مر عن مجاهد، وقيل إن اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم كتبوا إلى يهود العراق والشام واليمن ومن يبلغهم كتابهم من اليهود فى الأرض كلها، إن محمدا ليس بنبى فاثبتوا على دينكم فاجتمعت كلمتهم على الفكر، ففرحوا بذلك، وقرأ سعيد بن جبير أوتوا بالبناء للمفعول، والمد، أى اعطوا من النبوة والكتاب، ويزعمون أنهم على الحق، وأنهم على دين إبراهيم.
[3.189]
Unknown page