651

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ لقد من الله على المؤمنين } على من آمن بالله ورسوله من العرب. { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } من جنسهم إذ هو أحد العرب - صلى الله عليه وسلم - فلا قوم من العرب إلى وله فيهم نسب إلا بنى ثعلبة، فكانوا نصارى، قبحهم الله، فلم يكن له فيهم نسب، والحمد لله، ويجوز أن يراد بالمؤمنين من آمن من قريش، فمعنى كونه من أنفسهم أنه من نسبهم. وقرئ من أنفسهم بفتح الفاء من أشرفهم، أنه صلى الله عليه وسلم كان من أشرف قبائل العرب، وبطونهم، إذ هو من بنى هاشم، وهذه القراءة تقوى أن المراد بالمؤمنين العرب لا قريش خاصة فهم يفهمون كلامه بسهولة، ويزيد من جاوره من بمكة قريش وغيرهم، أنهم واقفون على صدقه وأمانته وزهده وعفافه ومحاسن الأخلاق، ولم يجربوا عليه غير ذلك قط، من حين نشأ فيهم، فكيف لا يؤمن به أحدا، وكيف ينسبه أحد إلى الغلول، وما هو لا صفوة الخلق من الله به على العرب، ومن شبه، وبنى هاشم خصوصا ينجيهم من النار ويفتخرون به إذ هو منهم كان إبراهيم مشتركا بين اليهود والنصارى والعرب يفتخر كل بالانتساب إليه عليه السلام، ثم كان لليهود ما يفتخرون به خاصة وهو موسى عليه السلام والتوراة، ثم كان النصارى ما يفتخرون به خاصة وهو عيسى عليه السلام والإنجيل، ثم بعث الله فى العرب محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل والخلق كلهم، وأنزل عليه أفضل الكتب القرآن، فهو أشرف شرف لهم، وإنه لذكر لك ولقومك، حتى أن موسى قال اللهم اجعلنى من أمة أحمد، وعيسى أيضا فى معنى ذلك، وسينزل فيكون من أمة أحمد صلى الله عليه وسلم تحقيقا، وذلك أفضل أيضا لكل من آمن به من العجم وخص العرب أو قريشا، لأنه منهم، على أنه من ولد إسماعيل عليه السلام، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكما قال أبو طالب فى خطبة خديجة الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وصفوة معد وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابنى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به فتى إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل ". وقيل المراد بالمؤمنين جميع من آمن به من العرب والعجم، بمعنى كونه من أنفسهم إنه آدمى لا ملك أو غيره، وقرىء لمن من الله بفتح اللام للابتداء وكسر ميم { من } وهى حرف جر، وفتح ميم { من } وتشديد نونه مكسورة مضافا، { لله } وهو خير لمحذوف، أى لمن من الله على المؤمنين منه، إذ بعث فيهم رسولا أو بعثه إذ بعث فيهم رسولا فإذا متعلقة لهذا المبتدأ المقدر وهو منه أو بعثه، كما علق بمن الذى هو فعل ماض فى قراءة الجمهور.

وأجاز الزمخشرى كون المبتدأ إذ فتكون فى محل رفع، أى لمن من الله وقت بعثه رسولا. قال ابن هشام لا نعلم قائلا بذلك قاس إذ على إذا المرفوعة المحل فى أخطب ما يكون الأمير، إذ كان قائما والدليل على رفع محل إذا فى ذلك قول بعض أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، برفع يوم المشهور أن الخبر محذوف، قبل إذا وبين الله تعالى مننه بقوله { يتلوا عليهم آياته } القرآن بعد ما كانوا جهالا، لم يسمعوا الوحى فيسمعونها منه، ويحفظونها، إذ كانت سهلة الحفظ، ويفهمنها، إذ كانت سهلة الفهم. { ويزكيهم } يطهرهم من سوء الأخلاق وسوء الأخلاق والمعاصى والشرك. { ويعلمهم الكتاب } القرآن يلقنهم ليحفظوه، ويكرره عليهم ليحفظوه بعد أن يسمعه منهم كل من شاء منهم، أو يعلمهم معانيه التى لا يدر العربى بمجرد عربيته. { والحكمة } السنة وهى الوحى الذى ليس بقرآن وسائر ما ليس بوحى مما يأخذه من القرآن ويلهمه الله ربنا من مكارم الأخلاق. { وإن كانوا من قبل } أى من قبل بعثه، صلى الله عليه وسلم، أو من قبل ما ذكر من تلاوته، وتزكيته، إياهم وتعليمه إياهم الكتاب والحكمة { وإن } مخففة من الثقيلة، والمعنى وإن الشأن، ولست أعنى بها التقدير، أن اسمها ضمير الشأن محذوف، أو الشأن لأنها تخفف فتهمل، ولكم بيان الأصل والمعنى فلو ذكر لفظ الشأن لكان مروفوعا، كقوله تعالى { وإن كل } لما جميع لدنيا، وقد عملها، ثم رأيته والحمد لله بهذا اللفظ، وهكذا جل ألفاظ التفسير الراجعة إلى تحقيق المعنى، وإلى علم المعقول، والاستدلال، تكون موافقة للعلماء المحققين المنتسبين إلى ذلك بلا نظر فى كلامهم، وإنا فى ذلك لعلى منة عظيمة وشكر واجب، واللام فى قوله { لفى ضلال مبين } لام تفيدك أن { إن } مخففة مؤكدة لا نافية، وضلالهم المبين فى خلوهم، فى اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم عن علم الشريعة، أصولها وفروعها وعدم فهمهم، وعدم العقل الكسبى. والجملة مستأنفة أو حال من هاء يعلمهم وهى مبنية لتكامل النعم، لأن النعمة بعد المحنة، أعظم منها قبلها، ولو تساوتا كما فضلا.

[3.165]

{ أو لما أصابتكم مصيبة } مصيبة يوم أحد بالقتل والجرح والهزم { قد أصبتم مثليها } ببدر إذ قتلوا فيه من المشركين سبعين، وأسروا سبعين، على أن المشركين فعلوا نصف هذا بهم يوم أحد، وبذلك يقول الجمهور وابن عباس أو عباس أن يضم، إلى ما فعل المسلمون يوم بدر، ما فعلوا أيضا بغيره كأول الأمر يوم أحد، أو المراد بالمصيبة الهزم، فقد هزمهم المسلون مرتين يوم بدر، وأول الأمر يوم أحد، وهزمهم المشركون مرة واحدة من آخر الأمر يوم أحد. وقال الزجاج أحد المثلين قتل السبعين يوم بدر، والثانى هو قتل اثنين وعشرين يوم أحد ولا مدخل للأسرى، لأنهم قد فدوا، وهذا على أن المماثلة فى الجنس ولو تخالف العدد ما بينهم وبين المشركين، والواو عاطفة على محذوف داخلة عليه الهمزة، أى فعلتم كذا وقلتم كذا، ولما أصابكم إلخ، مثل قولهم كيف غلبنا المشركون، وقد وعدنا الله النصر، أو كيف غلبونا ونحن على نصر دين الله تعالى، أو الواو عاطفة للهمزة قبلها، والجملة بعدها على قصة أحد، ودخل فى العطف على كل حال، لما وما بعدها، وجوابها والهمزة للتقريع، على قولهم ذلك ومثله والتقرير، ولو قيل تقريع وتقرير للمنافقين المكذبين القائلين، لو كان نبيا لما هزمنا لصح وجملة قد أصبتم مثليها، حال من كاف أصابتكم وأولى أن تكون نعتا لمصيبة، إذ تغلبت عليه الإسمية كأنه قيل أو لما أصابكم أمر سوء، وأجاز بعضهم نعت الصفة باقية على وصفيتها. { قلتم أنى هذا } أى كيف هذا الأمر المصيب لنا؟ أو من أين هذا الأمر المصيب لنا؟ من الهزم والغلبة، والقتل، والجرح، ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، بأن قال المسلمون هذا تحقيقا منهم أو قاله المنافقون تكذيبا. { قل هو من عند أنفسكم } أى من انتقالكم عن موضعكم يوم أحد، وقد قال لكم صلى الله عليه وسلم اثبتوا معشر الرماة فى موضعكم ولو رأيتمونا تخطفنا الطير، أو هزمنا المشركين، وحرصكم على الخروج من المدينة، وقد كرهه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال على والحسن البصرى وعبيدة السلمانى رويا عن على، كما فى الخازن أن جبريل، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر فقال إن الله كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدم الأسارى ويضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدد الأسارى فذكر ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل فداؤهم فنتقوى به على قتال عدونا ونرضى بأن يستشهد منا عدتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى بدر، فهذا معنى { قل هو من عند أنفسكم }. { إن الله على كل شىء قدير } قدير على كل ما شاء وقوعه فيقع ولا بد مثل نصركم مع الطاعة، وترك نصركم مع المخالفة، وقادر على كل ممكن إن شاء أوقعه من إصابتكم لغيركم، وإصابة غيركم لكم وغير ذلك.

[3.166-167]

{ ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان } جمع المؤمنين، وجمع المشركين يوم أحد. { فبإذن الله } أى بقضائه وحكمه، هكذا فسره ابن عباس، رضى الله عنهما، وقيل بتخليته بين المؤمنين والمشركين، إذ لم يكفهم عن المؤمنين، سمى التخلية إذنا لأنها من لوازم الإذن، فإنك إذا أمرت بشىء لم تمنع مأمورك، مع بقائك على مقتضى أمرك، وقيل بعلمه، كقوله

وأذان من الله

أى وإعلام من الله، وتسلية المؤمنين عما أصابهم باقية فى هذا التفسير، كما وجدت فى الأولين، لأن معنى كون ذلك أصابكم بعلمه، أن عالم به، وقاض له بحكمه لم يغفل عنكم، وأنه سيعاقب الكفار مع ذلك، أو يلتزم قائله، إن ذلك غير تسلية بل أخبرهم الله أنه عالم بذلك قضاه عليكم عقابا لكم على مخالفتكم. { وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } ليظهر إيمان من آمن ورسخ فى إيمانه، ونفاق من نافق، فيعلم ذلك منهما ظاهرا خارجا فى الوجود، كما قد علمه فى الأزل، وذكر العلم وأراد ملزومه، فإنه يلزم من وجود المؤمن والمنافق، بعلم الله، بوجودهما والعطف على بإذن الله، فهو علة للإصابة والنفاق عندنا مخالفة العمل، أو القول، للقول وعند غيرنا إضمار الشرك وإظهار التوحيد، والذى عندى مجيد تارة كما تقول، وتارة كما يقولون، وهو من النفق وهو السرب فى الأرض، أو من نافق اليربوع، باب من أبواب حجره، إذا قصد خرج منه، كذلك المخالف بين قوله وعمله، يقصد من جانب قوله فيوحد مسلما باعتباره، وقد خرج إلى الفسق أو الشرك، بعلمه، أو قوله المضمر، وعندنا ولو ظهر، لأن ظهوره نتيجة عما فى قلبه مضمرا، ولأنه يظهر لك الإسلام فما يخرج به عنه إلى الفسق لو الشرك غير ظاهر ولا بأس بذلك التفسير إذا حققته وهو المشهور، وقال الشيخ أبو عمر وعثمان بن خليفة إن النفاق عندنا مأخوذ من نفقت الدابة، إذا هلكت، وهو وجه حسن شامل للفسق الظاهر والخفى، ولعلهم اختاروه لذلك، فلا يحتاجون إلى التأويل الذى ذكرته فيما عمل من فسق ظاهر. { وقيل } أى وقال المؤمنون أو قال أبو جابر. { لهم تعالوا } ائتوا. { قاتلوا فى سبيل الله } أعداءه وجملة قاتلوا بدل من تعالوا بد اشتمال، لأن الإتيان إلى محل القتال حال القتال سببى للقتال، ويجوز كونه بد إضراب، ذلك بحسب الأصل والمعنى وأما فى اللفظ فيحكى القول مفرد، ولو كان جملا كثيرة، والواو فى { وقيل لهم تعالوا } ، إما للعطف على نافقوا، أى ليعلم الذين اتصفوا بأن نافقوا، وبأن قيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله، أى فروا عن القتال وأعرضوا عنه، حتى احتاج المؤمنون أن يقولوا لهم ارجعوا إلينا تقاتلوا معنا، وإما لعطف قصة على الأخرى، فيعبر عنها بواو الاستئناف، والجواب بقوله تعالى { قالوا لو نعلم } أنسب بهذا الوجه، ولو صلح للأول أيضا.

{ أو ادفعوا } أعداء الله عن أنفس المؤمنين، وأموالهم وذلك أن حاضر القتال، إما يشرع فى القتال، وإما يتوقف حتى يجىء العدو فيدفعه عن المال والنفس، والمؤمنون أمروهم أن يفعلوا ذلك على قصد الثواب، وقيل أو ادفعوا أعداء الله بتكثير سواد المؤمنين عن أنفسهم، وأموالهم لو لم تتواقعوا الثواب، فإن كثرة السواد مما يروع العدو، ويكسر شوكته، بل يجوز أن يأمروهم بتكثير السواد، وقصد الثواب، وهو أتم فائدة وأعظم شرعا، وبه قال ابن جريح قال سهل بن سعد الساعدى، وقد كف بصره لو أمكننى لبعت دارى ولحقت بثغر من ثغور المسلمين، فكنت بينهم، وبين عدوهم. فقيل وقد ذهب بصرك، قال لقوله أو ادفعوا، أراد أكثروا سوادهم، ويجوز أن يكون أو ادفعوا تهييجا لهم على حفظ الحريم، أى إن لم تكن لكم رغبة فى سبيل الله فادفعوا عن أموالكم وأهليكم كما قال قزمان فى ذلك اليوم والله ما قاتلت إلى على حساب قومى، وقال رجل من الأنصار لما أرسلت قريش رواتهم فى الزرع لترعى زروع بنى قيلة، ولما تضارب بنو قيله الأوس والخزرج، وذلك أن عبد الله بن أبى رأس المنافقين، خرج إلى المدينة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أحد فرجع بثلثمائة من المنافقين، وعبارة بعض، بثلث الناس، وقال ما ندرى علام نقتل أنفسنا، وتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمر بن حزام الأنصارى أخو بنى سلمة، وهو يقول يا قوم، أذكركم الله أن تخلوا نبيكم عند حضور عدوه، وقال أنشدكم الله فى بنيكم وذراريكم ودينكم، وهذا قول يرضاه المؤمنون أو أمروا به، فقاله وهو مؤمن مخلص. { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } كأنه قيل فما قول المنافقون حين قيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا، فأجاب بأنهم قالوا لو نعلم قتالا يقع لاتبعناكم، فحذف المفعول الثانى، وهو جملة يقع، قيل قالوا لأبى جابر والله لا يكون اليوم قتال، أو المعنى لو نعرف قتالا أى لو نعرف كيفية القتال لاتبعناكم، ولكنا لا نحسن القتال، وقالوا ذلك غشا واستهزاء ومكرا للمؤمنين، أو المعنى لو نعلم قتالا يقصده ذوو الرأى لاتبعناكم، ولكن الذى خرجتم إليه إلقاء للنفس فى التهلكة وقد حرض أن لا يخرج المؤمنون إلى المشركين، كما مر، ولما قال لهم أبو جابر ما مر عنه آنفا ولم يرجعوا أيس منهم، وقال اذهبوا أعداء الله فقد استغنى الله ورسوله عنكم، ومضى مع النبى صلى الله عليه وسلم، ومات شهيدا، رواه قومنا. { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } أى هؤلاء المنافقون أقرب إلى الشرك يومئذ، قالوا ذلك من قربهم إلى الإيمان، وقيل يومئذ لأنهم قبل ذلك اليوم لم يظهروا ما أظهروه يومئذ من العناد، والخذلان، واللامان بمعنى " إلى " الأولى تتعلق بأقرب، والثانية بقرب المقدر مضافا إلى الهاء، واعلم أن أفعل التفضيل كغيره، فى أنه لا يتعلق به حرفا جر بمعنى واحد إلا على طريق العطف، أو البدلية أو التوكيد اللفظى فليست اللامان متعلقتين بأقرب، بل الأولى به والثانية بمضاف محذوف كما رأيت، ولكن يتم المعنى بزيادة تقدير هكذا، أى قرب حالهم أقرب يومئذ للكفر، من قرب حالهم الأخرى للإيمان، يومئذ ومنهم متعلقان بأقرب أو يعلق اللام الثانية بمحذوف حال من الهاء، أى أقرب منه متوجهين بحال ما إلى الإيمان، وقيل المعنى هم لأهل الكفر يومئذ أقرب منهم نصرة لأهل الإيمان، لأن عنادهم وخذلانهم تقوية للمشركين، وتضعيف للمؤمنين.

{ يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } يقولون قبل ذلك وبعده بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، من الإيمان والطاعة والنصرة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن القول لا يكون حقيقة إلا باللسان، وإذا استعمل فى القلب كان مجازا على الصحيح، وقيل حقيقة فيهما، وهو ضعيف، وزعم بعض المناطقة أنه حقيقة فيما فى القلب أكثر من حقيقيته فى اللسان، وهو ضعيف، وليس كما قيل أن هذا الخلاف فى الكلام، لا فى القول، وأن القول مختص باللسان، وعلى كل حال فإن قوله ما ليس فى قلوبهم، تصريح بأن القول هنا ليس من فعل القلب، فإنما ذكر الأفواه فيما ظهر لى، ليصرح بأنهم لا يكتفون على التكلم باللسان الحقيق بلسان حال يظهرونها، يغرون بها المؤمنين، ويوهمونهم أنهم مسلمون مخلصون، بل يقولون بأفواههم أنهم مخلصون، وليشير إلى أن قولهم لا يجاوز أفواههم، مجاوزة ما، وليشير إلى أنهم بالغوا فى قول يخادعون به المؤمنين حتى كأنهم قالوه ملء أفواههم، وفى ذلك كله تأكيد، وأما أن يقال إنه تصوير لحقيقة القول بصورة فرده الصادر عن آلته التى هى الفم فقليل الفائدة. { والله أعلم بما يكتمون } من النفاق المضاد، لما يظهرون لكم ومن سائر مكائدهم وما يخلوا به بعضهم إلى بعض عليكم، الله أعلم بذلك منكم لأنه يعلمه كله مفصلا، وأنتم تعلمون بعضه مفصلا، وتستدلون بأمارات عليه مجملا.

Unknown page