645

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

أى لو كانوا فقهاء لجوزوا النسخ مثل تجويزهم المسخ على المعتدين منهم فى السبت، وأقروا به وكذا التقرير هنا أى لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فى الأرض، أو كانوا غزى، وقالوا لهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، والجملة إذا ضربوا.. إلخ فى عبارتى، هذا لا فى التلاوة معطوفة على الصلة، فهى صلة والكفر فى الآية كفر دون الشرك، على مذهبنا، لأن المنافقين عندهم فى القرآن ليسوا مشركين فى السر، والذى عندى غير ذلك. { أو كانوا غزى } جمع غاز كراكع وركع، وساجد وسجد، فوزنه فعل بضم الفاء وفتح العين مشددة وهو فصيح استثقالا وقياسه غزاة بتخفيف الزاى لاعتلال لامه كقاض وقضاة، وأصله غروا بضم الغين وتشديد الزاء، مفتوحة بعدها ومحركة الإعراب وهو فى الآية الفتحة فقلبت ألفا لتحركها بعد فتح، وحذفت الألف لفظا لالتقاء الساكنين، وكتبت خطا ياء ولو كانت عن واو، لأنها فوق ثلاثة أحرف، ومن ذلك قول الشاعر

ومغبرة الآفاق خافية الصوى لها قلب عفى الحياض أواجن

بضم العين وتشديد الفاء، والإضافة إلى الحياض، والصوى جمع صوة كقوة وقوى، وهى الأعلام من الحجارة، والقلب بضم القاف والباء جمع قليب، وهى البئر التى لم تطو والعفى الدوارس والحياض جمع حوض، وأواجن نعت قلب باعتبار مائها أى مغيرات الماء، أى لو كانوا غازين، وفى الكلام حذف تقدير 95 إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزى فماتوا أو قتلوا بدليل قوله تعالى { لو كانوا عندنا } أى غير خارجين، فى السفر أو الغزو.

{ ما ماتوا وما قتلوا } أعاد الموت إلى قوله { ضربوا فى الأرض } والقتل إلى قوله { أو كانوا غزى } ويجوز عود كل إلى كل، لأن المسافر يموت بقتل وبلا قتل، وكذا الغازى. وقولهم بذلك، قول بالأجلين كالمعتزلة فى القول إنه من مات بالقتل مات لأجل غير الأجل الذى قدره الله له، فهؤلاء الكفار قالوا لو قعد فى بيته لعاش، ولم يمت فى السفر أو الغزو. { ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم } متعلق بتكونوا، أى لا تكونوا مثلهم فى ذلك المقال، ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم، خاصة ولو قلتم كما قالوا، لكنتم فى الحسرة معهم، وذلك أن قولهم مقرون باعتقاده، والإشارة إلى ما دل عليه القول من اعتقاده، أو لا تكونوا مثلهم فى ذلك المقال، واعتقاده ليجعل الله انتفاء مماثلتكم لهم فيه حسرة فى قلوبهم فإن عدم موافقتكم فى المقال المذكور، مما يزيد غمهم، لأن قولكم إن الموت بتقدير الله لا يدفع بتقدم أو تأخر، ولا يدفع ما قضى الله من تقدم أو تأخر يناقض قولهم، والإشارة فى هذا الوجه إلى امتثال النهى، وهو انتفاء كونكم مثلهم فى ذلك المقال، واللام فى الوجهين للتعليل، ويجوز تعليقها بقالوا، فتكون لام الصيرورة، لأنهم إنما قالوا ذلك المقال يسلموا عن الموت والقتل، ويتحسر أقارب من مات أو قتل، وليثبط المؤمنين عن القتال لا ليكون ذلك حسرة فى قلوبهم، والحسرة أشد الندم، وهى فى الدنيا وقيل فى الآخرة، إذا رأوا رفع درجات المجاهدين والشهداء ورأوا مزيد حزنهم أنفسهم ولعنهم. { والله يحيى ويميت } من يشاء، فقد يحيى المسافر والغازى، ويميت القاعد عن ذلك، وقد يحيى القاعد ويميتها ولا يقدر أن على أن لا يخرجا، وقد قضى خروجهما وموتهما، فذلك رد لمقالة هؤلاء الكافرين. { والله بما تعملون بصير } بها المؤمنون فاحذروا أن تماثلوهم فيعاقبكم. وقرأ ابن كثير والكسائى وحمزة يعملون بالتحتية على أن الضمير للذين كفروا وذلك وعيد لهم على قولهم ذلك وغيره مما كسبوا.

[3.157]

{ ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم } فى سبيله بلا قتل، كمن مات بمرض أو لدغ أو لسع أو غير ذلك بعد خروجه إلى الغزو، وكسرة ميم { متم } الأولى لتدل على حركة عين الكلمة المحذوفة، وحركتها كسرة وذلك لأنه من لغة من يقول مات يمات بكسر عين الماضى وفتح عين المضارع، وأصل مات موت بكسر الواو، قلبت ألفا لتحركها بعد فتح، وأصل يمات يموت بإسكان الميم، وفتح الواو نقلت فتحتها للميم، وقلبت ألفا وذلك قراءة نافع والكسائى وحمزة، وقرأ غيره بضم الميم على لغة مات يموت كقال يقول ضم الميم، دلالة على أن عين الكلمة واو، أو نقل إلى فعل بضم العين عند اتصال ضمير الرفع المتحرك وكذا القراءتان فى جميع القرآن فى متم ومتنا ومت، واللام موطئة لجواب قسم محذوف، أى والله لئن قتلتم فى سبيل الله، أو متم والجواب قوله تعالى { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } فاللام لام التأكيد فى جواب القسم، أو لام الابتداء أو كلاهما مسوغ للابتداء بالنكرة وسوغ هنا أيضا الوصف وهو من الله، ورحمة معطوف على مغفرة، فمسوغه اللام، ووصف محذوف أى ورحمة منه، وجواب القسم مغن عن جواب الشرط، وقيل يقدر له جواب من جنس القسم وجوابه، أى إن متم أو قتلتم فى سبيل الله، فوالله لمغفرة لذنوبكم من أجل ذلك الجهاد، أو الخروج إليه، والموت والقتل ورحمة بالجنة ونعيمها لأرواحكم قبل القيامة ولهم لجسادكم بعدها خير مما تجمعون من مال الدنيا ومنافعها، ولو كانت كلها لكم ذهبا أحمر أو جئتم، وقدم القتل هنا لأن المقام لذكر المغفرة والرحمة أشرف وأهم، لأن الثواب عليه أكثر، والتنكير للقليل، أى مغفرة قليلة، ورحمة قليلة خير من الدنيا، أو للتعظيم، أو للتكثير لبيان الواقع، لا لأنه لا يكون خيرا منها إلا العظيم أو الكثير منهما، وقرأ حفص يجمعون بالتحتية أى لمغفرة من الله ورحمة للميت أو المقتول فى سبيل الله خير مما يجمع الكفار. وعنه صلى الله عليه وسلم

" من سأل الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء وإن مات عل فراشه "

وعنه صلى الله عليه وسلم

" من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ".

[3.158]

Unknown page