543

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

Regions
Algeria

" إن هذه الذراع تخبرنى أنها لمسمومة "

، على أن هذا من قوة الذوق، والمتبادر أن الله تعالى أنطقها له صلى الله عليه وسلم. وكما سرى إلى المقدس وإلا السماوات، وكذا إدريس وعيسى، وكذا اصطفاهم بالخصائص الروحانية، والآية دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، لأن العالمين يشمل الملائكة، وخص آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران بالذكر، لأن الأنبياء والرسل من نسلهم و " ذرية " حال من نوح وآل إبراهيم وآل عمران، أو بدل منهم، والذرية الولد يقع على الواحد فصاعدا بوزن فعلية - بضم الفاء وإسكان العين - نسبة إلى الذرة وهو صغار النمل، لأن الله جل جلاله، أخرج الناس على صور الذر من صلب آدم، أو مأخوذ من الذر - بفتح الذال - بمعنى التعريف، لأن الله تعالى بثهم فى الأرض، أو بوزن فعولة - بتشديد العين، مأخوذ من ذرأ بمعنى خلف، والأصل ذروءة - بتشديد الراء بعدها واو وبعد الواو همزة - لينت ياء فقلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء، ثم كسرت الراء لتسلم الياء المشددة. وجملة { بعضها من بعض } نعت ذرية، أى بعضها متشعب من بعض، متولد منها، أو بعضها من بعض فى الدين، شبه توافقهم فى الدين أو فى الانتصار عليه واحد، أخذ عن واحد، بخروج ولد من آخر، أو قدر دين بعضها مأخوذ من بعض، أو بعضها أخذ دينه من بعض. { والله سميع } بكل ما يقال. { عليم } بكل ما يفعل، فهو يصطفى من استقام قوله وفعله.

[3.35]

{ إذ قالت إمرأة عمران } حنة بنت فاقودا أم مريم، وعمران هو والد مريم، الذى بينه وبين عمران أبى موسى ألف وثمانمائة سنة، وأبو عمران المذكور فى الآية ماتان، وكان بنو ماتان رءوس بنى إسرائيل فى ذلك الزمان وأحبارهم وملوكهم. و { إذ } مفعول لمحذوف، واذكر إذ قالت، أو ظرف متعلق بعليم، أو سميع، فيقدر للآخر مثله، وقيل تنازعا فيه، ولا يتم فى هذا إلا على قول من أجاز رد الضمير للظرف، ونصبه على الظرفية، فيقدر لأحدهما ضمير منصوب عائد إلى { إذ } بما أضيفت إليه، وقيل يقدر بفى، وكان لعمران أبى موسى ابنة اسمها مريم أكبر من هارون، وكان هارون أكبر من موسى، فظن بعضهم أن المرأة فى الآية زوجة عمران أبى موسى، وأنه عمران أبو موسى عليه السلام، وليس كذلك، لأن مريم المذكورة فى السورة كفلها زكريا، وكان زكريا فى عصر ماتان أبى عمران والد مريم، وتزوج زكريا ابنة ماتان، واسمها إيشاغ، وولدت له يحيى فكان يحيى وعيسى ابنى خالة، من الأب، كما فى الحديث، وكانت امرأة عمران حنة عاقرا عجوزا، فبين ما هى فى ظل شجرة، إذ رأت طائرا يطعم فرخه، فحنت إلى الولد وتمنته، فقالت اللهم إن لك على نذرا شكرا إن رزقتنى ولدا أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم، وهلك عمران وهى حامل، وأطلقت فى نذرها ولم تقيده بالذكر، كما فى قوله تعالى { رب إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا } مخلصا من خدمتى لا أشغله بشىء. قال الشعبى ومخلصا للعبادة، ولم تقل من فى بطنى، لاعتبار الصفة من الذكورة والأنوثة، وهما غير عالمين، ويحتمل أن تكون بنت الأمر على تقدير أن يكون ذكرا، أو طلبت ذكرا، ونذرت على أن يكون ذكرا، ومع هذا فهى لا تحقق الذكورة، ولا الأنوثة، وكانوا لا يستخدمون لبيت المقدس إلا الذكور، لما يصيب النساء من الحيض، وكان النذر بالذكر عندهم مشروعا لبيت المقدس، وكان فى دينهم أن الولد، إذا كان بحيث يمكن استخدامه فلهم استخدامه لأنفسهم، وهو حق لهم، فكانوا بالنذر يتركون هذا الحق فيستخدمونه لبيت المقدس، وإذا بلغ خير بين أن يذهب حيث شاء، أو يقيم على خدمته، وإن اختار الإقامة لم يجد الذهاب، ولم يكن نبى من بنى إسرائيل، ولا عالم إلا ومن أولاده محرر لبيت المقدس، و { محررا } حال من { ما }. { فتقبل منى } ما نذرته، وسكن الباء غير نافع وأبى عمرو. { إنك أنت السميع } لقولى. { العليم } بنيتى .

[3.36]

{ فلما وضعتها } أى وضعت بنتها مريم، أنث الضمير مع عوده إلى ما، من قوله

ما فى بطنى

لأنه فى نفس الأمر أنثى، فهو من اعتبار معنى { ما } ، ولو لم تعلم امرأة عمران الناذرة به أنه أنثى، لأن قوله { وضعتها } من كلام الله تعالى، وهو قد علمه أنثى. { قالت رب إنى وضعتها أنثى } حال من ضمير النصب المذكور فى { وضعتها } ، وإنما جاز ذلك مع أنه بمنزلة وضعت امرأة عمران الأنثى أنثى، لأن كل ضمير وقع بين اسمين مذكر ومؤنث وهما عبارتان عن مدلول واحد يجوز فيه التذكير والتأنيث، فضمير النصب فى وضعتها واقع بين ما، وهو مذكر اللفظ وفرض الكلام أن يؤتى له بحال مؤنث، وهو لفظ أنثى، فاعتبر هذا الحال المؤنث، فقيل وضعتها، ولو اعتبر لفظ { ما } ، لقيل رب إنى وضعته أنثى، لكن هذا يضعفه مراعاة المعنى فى قوله { فلما وضعتها } ، ثم إنه تجىء الحال مؤكدة لصاحبها، كما تجىء مؤكدة لعاملها، ولك أن تقول أنث الضمير المنصوب فى وضعتها فى الموضعين لتأويل ما فى بطنها بالمؤنث الذى يستعمل فى الذكر، والأنثى كالنفس والنسمة والحبلى فلا إشكال حينئذ فى قوله { أنثى } ، لأن النفس ونحوه، يقع على الذكر والأنثى فبين الأنوثة بقوله { أنثى }. { والله أعلم بما وضعت } أنه أنثى، لأنه لا يخفى عليه شىء، ولكن قالت { رب إنى وضعتها أنثى } تحسرا عما فاتها من كونه ذكرا، يصلح لخدمة بيت المقدس، كما نذرت بخدمته، فقولها { إنى وضعتها أنثى } مجاز مركب غير استعارة، إذ حقيقته أن يخبر به من يجهل ما وضعت، أو تخبر به من يجهل أنها عالمة بما وضعت، وقال الله تعالى { والله أعلم بما وضعت } تعظيما لما ولدت، أى وضعت ولدا عظيما هى جاهلة لعظمه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { والله أعلم بما وضعت } بإسكان العين وضم التاء إلى أنه من كلامها، تسلية، تكلمت به تسلية لنفسها أى ولعل الله قد علم الخيرة فى الأنثى التى ولدتها. وقرىء بإسكان العين كسر التاء، خطابا من الله تعالى لها، وهو قراءة ابن عباس رضى الله عنهما. { وليس الذكر كالأنثى } إما من كلامه تعالى، وإما من كلامها من جملة تحسرها، أى وليس الذكر الذى طلبت، كالأنثى التى وهبت لى وفى الكلام قلب، أى ليس الأنثى كالذكر، لأنها تحيض، ولا تباشر الرجال، وهى ضعيفة ولا تصلح لخدمة بيت المقدس، ويجوز أن يكون المعنى ليس الذكر الذى طلبت لنذرى كالأنثى، و " أل " فيهما للحقيقة ويجوز أن يكون للعهد، أى ليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وهبت لى بل هى أفضل منه، لأنه من خدمة المسجد، وهذه الأنثى موهوبة لله تعالى وهذا على أنه من كلام الله ظاهر، وكذا على أنه من كلامها.

{ وإنى سميتها مريم } ومعناه بلغتهم العابدة، وأرادت بهذه التسمية أن يفضلها الله على أناث الدنيا، وفاطمة رضى الله عنها مثلها، أو أفضل منها، وعائشة أفضل منها ولعل عمران مات، أو غاب حين ولدتها، لأن العادة فى التسمية أن يتولاها الأب، وإذا جعلنا قوله تعالى { والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى } من كلام الله تعالى، كان معترضا بين العاطف والمعطوف عليه، وإن قوله { وإنى سميتها مريم } عطف على قوله { إنى وضعتها أنثى } ، ولما فاتها أن يكون ما فى بطنها ذكرا يصلح لخدمة المسجد، تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان، وأن يجعلها من الصالحات، كما قال الله تعالى { وإنى } وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. { أعيذها بك } أى أجيرها. { وذريتها من الشيطان الرجيم } المرجوم بالشهب، كما يرجم الشىء بالحجارة، أو المتعبد من رحمة الله تعالى اعتصمت بالله تعالى، أن يمنعها من الشيطان الرجيم، أن يضرها فى بدنها أو دينها، قال أبو هريرة رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم

" كل ابن آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بأصبعيه حين يولد، غير عيسى بن مريم، ذهب ليطعن فطعن فى الحجاب "

Unknown page