536

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

Regions
Algeria

" عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل بيتا تدرس فيه اليهود، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد على أى دين أنت يا محمد؟ فقال " على ملة إبراهيم " فقالا إن إبراهيم كان يهوديا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أهلموا إلى التوراة فهى بيننا وبينكم؟ "

فأعرضا وتوليا وله أتباع، فأنزل الله هذه الآية. واختار فى الكشاف أن كتاب الله التوراة، وأنه وقع التعادى والاختلاف بين من أسلم من اليهود من أحبارهم، ومن لم يسلم، فدعاهم الله ورسوله إلى الكتاب الذين لا يختلفون فيه وهو التوراة، ليحكم بين المحق والمبطل، فتولى وأعرض من لم يسلم، ويدل له أن الحكم يترتب على خلاف سابق بينهم وروى

" عن ابن عباس أيضا أن رجلا وامرأة محصنين من أهل خيبر زنيا، وفى التوراة الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما عندهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده فيهما رخصة، فحكم عليهما بالرجم، فقال النعمان بن أوفى، ومحرز بن عمرو جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينى وبينكم التوراة " فقالوا قد أنصفت. فقال " من أعلمكم بالتوراة " قالوا رجل أعور يقال له عبد الله بن صوريا يسكن فدك فى القدس، فأرسوا إليه فقدم المدينة، كان جبريل قد وصفه للنبى صلى الله عليه وسلم، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنت ابن صوريا؟ " قال نعم. قال " أنت أعلم اليهود بالتوراة؟ " قال كذلك يزعمون. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة وقال له " إقرأ " فقرأ فلما انتهى من آية الرجم، وضع يده عليها، وقرأ ما بعدها، فقال عبد الله بن سلام يا رسول الله قد جاوزها، ثم قام عبد الله بن سلام ورفع عنها كف بن صوريا، وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى اليهودى فيها أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى، تربصوا بها حتى تضع ما فى بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضبت اليهود لذلك "

، فنزلت الآية فى، ذلك، التولى أو ذلك الإعراض، والمعنى واحد، وهو مبتدأ والخبر قوله { بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } أى بسبب قولهم لن تمسنا إلا أياما معدودات، لأن تسهيل أمر العقاب وتقليل مدته، سبب للاجتراء على موجبه من المعاصى، وقد قللوا أيام مكثهم فى النار، بذكرها بجمع القلة الذى هو الجمع بألف وتاء، وبذكر العدد، وكانوا يقولون مدة عذابنا سبعة أيام، عدد الأسبوع، ومنهم - لعنهم الله - من يقول أربعين ليلة، على قدر مدة عبادة العجل. وعن ابن عباس، رضى الله عنهما زعمت اليهود أنهم وجودا فى التوراة ما بين طرفى جهنم أربعون ليلة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وقالوا إنا نعذب إلى أن ننتهى إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك.

قال ابن عباس رضى الله عنهما أصل الجحيم، ضفر، وفيها شجرة الزقوم، فإذا اقتحموا جهنم، تبادروا فى العذاب حتى ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فيملئوا منها بطونهم فيقول لهم خازن سقر زعمتم أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة، وقد خلت أربعون سنة، وأنتم فى النار، ومن زعم أن أصحاب الكبائر يخرجون من النار فقد ضاهى قوله بقولهم، وكذا فى إثباتهم الرؤية سبحان الله تعالى. { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } أى غرهم فى دينهم كونهم يفترون، أى يكذبون. و { ما } مصدرية، والمصدر فاعل غر، وجىء بالمصدر من { كان } لأنها مصدرا أو دلالة على الحديث عندى، ولعل من يقدره من خبرها، مع قربها واتصالها بما هكذا، وغرهم افترائهم يرى أنها لا مصدر لها، ولا حدث. والدين الذى غرهم فيه، الدين الذى أنزل الله فى التوارة، أو الدين الواجب عليهم أن يدخلوا فيه وينتسبوا إليه وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم الذى أنزل الله فى القرآن، أو مطلق الدين الواجب عليهم، وهو حكم التوراة قبل إنزال ما ينسخه من القرآن، وحكم القرآن بعد نزوله الناسخ لما قبله، والحكم لا ينسخ، كالتوحيد ومعنى كون افترائهم غرهم فى دينهم أنه أوقع لهم الخلل والفساد فى دينهم، الذى اعتقدوه، أو يجب أن يعتقدوه، بأن أضافوا إلى دينهم اعتقادا زائغا وكان لا ينفعهم دينهم معه، ذلك أنهم غرهم قولهم { لن تمسسنا النار إلا أياما معدودات } وقولهم

نحن أبناء الله وأحباؤه

وقولهم " إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وقولهم إن الله تعالى وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم، وقولهم نحن على الحق وأنت على الباطل، ويجوز كون { إما } إسما، أى الكلام الذى يفترنه أو كلام يفترونه، وبين الله عز وجل أن ذلك افتراء يزول يوم القيامة، فقال { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه }.

[3.25]

{ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } هذا الاستفهام إستعظام لما يلحق بهم يوم البعث من سوء الحال، لما اغتروا به من الدعاوى الباطلة، وهى ما ذكرت آنفا، روى أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات المشركين، راية اليهود فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار، وذلك لأنهم جمعوا إلى المعاصى وقتل الأنبياء، تحريف كلام الله، وكتمانه، والكذب عليه، وتبديل الأحكام ونسبة ما بدلوا إلى الله. و { كيف } حال، أى كيف يصنعون، أو كيف ينجون، أو خبر أى كيف حالهم والجملة دليل جواب إذا، واللام بمعنى فى عند الكسائى، أى فى يوم أو للتعليل على حذف مضاف، أى الحساب يوم، أو لقضائه، أو لجزائه، وهذا ترجيح على قول الكسائى بأن فائدة ذلك يوم الحساب، والجزاء، والقضاء، وببقاء اللام على أصلها، ولو كان قول الكسائى معتبرا فيه جزما ما ذكرنا من الحساب، والجزاء، والقضاء هكذا، فكيف إذا جمعناهم فى يوم لا ريب فيه للحساب والجزاء والقضاء، لأن حذف المضاف أيسر، وجملة { لا ريب فيه } نعت يوم، وفيه تهويل بأن ذلك اليوم الذى يستعظم ما يلحقهم فيه لا بد منه. { ووفيت كل نفس } من اليهود وغيرهم. { ما كسبت } أى أحضر لها جزاء ما كسبت من الأعمال وافيا من خير أو شر، لا يزاد فى شرها، ولا ينقص من خيرها، كما قال { وهم لا يظلمون } بنقص حسنة أو زيادة سيئه، وقد علمت إنما كسبت بمعنى ما عملت من خير أو شر، ولك أن تقول بمعنى ما حصلت من ثواب أو عقاب فلا يقدر على هذا مضاف، وهو جزاء والواو فى قوله سبحانه { لا يظلمون } لكل نفس روعى لفظها فى { كسبت } ومعناها فى { لا يظلمون } ، لأن معناها كل إنسان فجمعت وذكرت، ولا دليل فى الآية على عدم خلود صاحب الكبيرة، لأن معنى توفية ما كسبت توفية ما ختم عليه عمله، فإيمانه وأعماله، أبطل ما ختم به الجزاء بها، فيوفى جزاء ما ختم به، فإذا قيل كيف تبطل جرعة خمر عبادة ستين سنة، قلنا فكيف يجوز عقلك العقاب بمدة طويلة فى النار، وعذاب لا يشبههما نار وعذاب على جرعة، فإن عقلك لا يقبل إلا أن يكون عقابها مثل كية واحدة بنار الدنيا، أو جوعة عظيمة، أو عطشة عظيمة، كيومين، فإذا لا يدخل العقل فى ذلك والله أعلم. قال ابن عباس رضى الله عنهما لما فتح رسول الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود هيهات من أين يملك محمد فارسا والروم وهما أعز وأمنع من ذلك؟ ألم يكف محمدا مكة والمدينة؟ حتى طمع فى فارس والروم؟ فأنزل الله جل جلاله { قل اللهم... }.

[3.26]

Unknown page