Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
وقرأ على بإسكان ياء { تغنى } وصلا، وذلك من المبالغة فى اشتغال الحركة على حرف اللين، حين اشتغل عليه الفتحة، ولعله أجراه للوصل مجرى الوقف. { وأولئك هم وقود النار } أى ما توقد به فهم كحطب. وقرىء بضم الواو على المصدرية فيقدر مضاف، أى أهل وقودها.
[3.11]
{ كدأب آل فرعون } أى دأب أولئك كدأب آل فرعون، والدأب العادة، وذلك خبر بمحذوف، كما رأيت، أى هم كآل فرعون فى التكذيب كذبوا بك، كما كذب فرعون والقبط بموسى وهارون، أو هم كآل فرعون فى أن توقد بهم النار، أو فى عدم إغناء أموالهم وأولادهم عنهم شيئا، فيجوز تعليقه بتغنى، أو بوقود، ولو بفتح الواو، ولأن فيهم معنى الفعل، أو هو مفعول مطلق لتغنى أو وقود، وأصل الدأب مصدر دأب فى العمد إذا سعى فيه مجتهدا فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأن، وكان عادة له وسنة. { والذين من قبلهم } من كفار الأمم عطف على آل، فجملة { كذبوا بآيتنا } حال من { آل } و { الذين } ، ولا يحتاج إلى تقدير قد، وقيل لا يقع الماضى المثبت مع مرفوعه حالا، إلا بعد ظاهره أو مقدره، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة فى تفسير حال آل فرعون، والذين من قبلهم، كأنه قيل ما حالهم فأجاب بها، ويجوز أن يكون " الذين " مبتدأ و { كذبوا } خبره. { فأخذهم الله بذنوبهم } أهلكهم وجازاهم بذنوبهم بسبب تكذيبهم، وإنما قلت ذلك لأن الفاء سببية، فلم أفسر الباء بالسببية، ولو لم يكذبوا لم يأخذهم بذنوبهم الواقعة فى الشرك، ولا بذنوب بعد بعث الرسل إليهم، ولك أن تجعل الفاء لمجرد العطف بلا سببية، على قله، فتكون الباء سببية، ولك أن تجعلها للسببية تأكيدا على أن تفسر الذنوب بالتكذيب، لأن تكذيب كل واحد من هؤلاء الكفرة ذنب، فتلك ذنوب، بل تكذيب كل واحد مشتمل على ذنوب. { والله شديد العقاب } إذا عاقب من يعاقب مطلقا، فيكون أخذه لهؤلاء أخذا شديدا ففى هذا تهويل للمؤاخذة، وزيادة تخويف للكفرة. قال ابن عباس لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر قريشا ورجع إلى المدينة، جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع، وقال
" " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم، فقد علمتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم " ، فقالوا يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قريشا وهم قوم أغمار لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإن والله لو قاتلناكم لعرفتم أنا نحن الناس - فنزل قوله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ".
[3.12]
{ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفى رواية عن ابن عباس لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، قالوا هذا والله النبى الذى بشر به موسى، لا ترد له راية، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض لا تعجلوا حتى ننظر وقعة أخرى، ولما كان يوم أحد، نكب أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فشك اليهود وغلب عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فنقضوا العهد، وانطلق كعب بن الأشرف فى ستين راكبا إلى مكة يستنفرهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، وقيل إن أبا سفيان جمع جماعة من قومه بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، وقيل الذين كفروا مشركوا العرب، أى قل لكفار مكة ستغلبون يوم بدر، وتحشرون فى الآخرة إلى جهنم، ولما نزلت قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر
" إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم "
، والمخصوص بالذنب محذوف، أى بئس المهاد جهنم، وقال مجاهد ما مهدوه من الأعمال، وجملة { وبئس المهاد } من تمام ما يقال لهم، أو استئناف وصدق وعد بقتل قريظة، وإجلاء بنى النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على غيرهم ومن بقى منهم وذلك من دلائل النبوة. وقرأ حمزة والكسائى { سيغلبون ويحشرون } بالمثناة التحتية فيهما، وفيه النقات عند السكاكى وهو على معنى قل لهم أخبار بأنهم سيغلبون ويحشرون.
[3.13]
{ قد كان لكم آية فى فئتين التقتا } يوم بدر، فئة المؤمنين وفئة المشركين، والخطاب لقريش، كما يدل له كلام ابن عباس أو لليهود. وقال ابن مسعود والحسن للمؤمنين، وجملة { التقتا } نعت فئتين، ولم يقل كانت بالتاء للفصل، ولكون التأنيث غير حقيق، ولكن خبر كان وفى فئتين متعلق ب " كان " ، أو نعت ل " آية " ، ويجوز تعليق " لكم " ب " كان " فيكون فى { فئتين } خبر ل " كان ". { فئة تقاتل فى سبيل الله } دينه، وهم النبى صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون، ومسوغ الابتداء التفضيل، وكونها فاعلا معنى. { وأخرى كافرة } تقاتل فى سبيل الشيطان، كما دل عليه لفظ كافرة كما أن أصل قوله تعالى { فئة تقاتل فى سبيل الله } فئة مؤمنة، فحذف مؤمنة ودل عليه قوله { فى سبيل الله } فحذف من كل واحد، مقابل ما ذكر فى الآخر، وسمى السيوطى ذلك احتباكا، وقرىء بنصب فئة، وأخرى كافرة على الحال من الفاعل التقتا، أو على الاختصاص، وبالجر على البداية المطابقة، بحسب المعطوف من فئتين. { يرونهم } أيها المسلمون. { مثليهم } أى مثلى المسلمين، أى ترون يا مسلمون المشركين مثلى المسلمين، والخطاب لنحو ثلاثة من المسلمين، أى ثلاثة كانوا يرون المشركين مثلى جملة المسلمين التى منهم هؤلاء الثلاثة، أو نحوهم. ويجوز أن يكون الأصل ترونهم مثليكم، فعدل عن الخطاب، وعلى الوجهين فالحكمة فى رؤيتهم مثليهم مع أنهم ثلاثة أمثال المسلمين. وقيل مثلاهم، فقط ليستشعروا الوعد فى قوله تعالى
Unknown page