Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ما ننزل الملائكة } ما تنزل الملائكة بتاء مفتوحة والأصل ما تتنزل بتاءين حذفت احداهما وقرأ أبو بكر بالبناء للمفعول وقرأ حفص وحمزة والكسائى بالنون مضمومة فنون مفتوحة وكسر الزاى مشددة ونصب الملائكة وقرئ ينزل بالمثناة تحت والتشديد ونصب الملائكة أى ما ينزل الله الملائكة، { إلا بالحق } متعلق بتنزل أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف أى تنزيلا ثابتا بالحق ملابسا للحق وهو الوجه الذى قدره الله واقتضته حكمته لا على اقتراحكم ولا حكمة فى أن تأتيكم الملائكة عيانا تشاهدونها وتشهد بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تصديقكم به حينئذ تصديق اضطرار كالتصديق عند معاينة أهوال القيامة ولا فضل فيه ولا حكمة فى أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبسا ولا فى معاجلتكم بالعقاب فإن له أجلا لا يتقدم عنه ولا يتأخر. ومنكم ومن ذريتكم من سبقت له كلمتنا بالإيمان، وقال مجاهد الحق العذاب، وقيل الوحى، وعن مجاهد الرسالة والعذاب وذلك جواب الله جل جلاله عن نبيه صلى الله عليه وسلم { وما كانوا } أى طالبو الإتيان بالملائكة، { إذا } حرف جواب وجزاء لهم على طلبهم الإتيان بالملائكة أو هو ظرف أى وما كانوا حين تأتى الملائكة لو نزلناهم، وعبارة الزمخشرى وغيره أن إذن جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره ولو نزلنا الملائكة ما كانوا. { منظرين } مؤخرين عن العذاب إن لم يؤمنوا بعد النزول على سنة الله سبحانه وتعالى فى الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقترحوها إلا والعذاب بأثرها إن لم يؤمنوا، وما كانوا مؤخرين عن العذاب إن طلبوا مجىء الملائكة للعذاب فأمر الله سبحانه بمجيئها.
[15.9]
{ إنا نحن نزلنا الذكر } القرآن رد لإنكارهم القرآن واستهزائهم إذ قالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر ولذلك أكد بالجملة الاسمية وإن ونحن أى إنزاله عليك من الله حق ثابت لا محيد عند ولذلك أيضا قرره بقوله، { وإنا له } أى للذكر { لحافظون } عن أن يزاد فيه أو ينقص منه أو يبدل أو يغير كما وقع ذلك فى بعض كتب الله كالتوراة والإنجيل إذ حرفتهما اليهود والنصارى ولو لم يكن إنزاله من الله حقا ثابتا لوقع فيه التحريف كما حرفت اليهود والنصارى التوراة والإنجيل مع أنهما من الله لكن لما استحفظهم إياهما الله لم يقدروا على حفظهما. أو ولو لم يكن من الله لتطرق إليه الخلل كما يتطرق إلى كلام البشر، أو حفظناه عن ذلك وجعلناه معجزا مغيرا لكلام البشر لا يطيقه الفصحاء على اختلاف الأزمان وتعاقبها وتوافر المعترضين له فلو زاد فيه أحد أو نقص لظهر كالشمس أو حفظناه عن أن يعارضه أحد بكلام مثله. أو حفظناه عن أن يتطرق فساد فى تفسيره ومن أفسد فى تفسيره ظهر فساده ولم يقبل عنه، وعود الهاء للذكر هو قول الجمهور ومجاهد وهو الظاهر، وقال ابن السائب ومقاتل عائدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتاج فى توجيه هذا القول إلى ما قيل من أنه لما ذكر التنزيل والمنزل دل ذلك على المنزل عليه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون إحضاره هنا أقرب من ذكره فى قوله يا أيها الذى الخ كذا أشار إليه بعض، والظاهر فى ذلك القول أنه أعيدت إليه الهاء لذكره فى قوله يا أيها الذى الخ، لأنه ذكر فيه بالكلام لا بالدلالة فهو أولى ولو كان أبعد. وما ذكره الجمهور من عود الهاء إلى الذكر أولى لأنه أقرب مذكور، ومن كتب { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الآية، فى فضة ضربت ثم تلاها عليها ليلة الجمعة أربعين مرة ثم طواها وجعلها تحت فص خاتم وتختم به وكل الله به من يحفظه فى نفسه وماله وولده وجميع ما يتقلب فيه وأحواله كلها وإذا طبع بتلك الفضة على شمع وبخر به وجع ما من الأوجاع برئ بإذن الله.
[15.10]
{ ولقد أرسلنا من قبلك } لا مفعول لأرسلنا هنا لأن المراد مجرد الإخبار بالإرسال كأنه قيل ولقد أثبتنا الرسالة من قبلك { فى شيع الأولين } ويجوز أن يقدر له مفعول منعوت بقوله فى شيع أى ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ثابتة فى شيع أو يقدر وتعلق فى بارسلنا كالوجه الأول والشيع جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه، ولذا قال الفراء الشيعة الاتباع للرئيس الذين يتقوى بهم كما قيل إن أصله الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به الكبار، قال وإضافة شيع للأولين إضافة موصوف لصفة وأوله البصريون بحذف الموصوف أى شيع الأمم الأولين أو بأن الإضافة للتبعيض.
[15.11]
{ وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } كما يستهزئ بك قومك يا محمد فاصبر كما صبرت الرسل من قبلك فذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنفى الحال ولا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال أو على ماض قريب من الحال وقد تدخل على مضارع للاستقبال لقرينة والمضارع هنا للحال المحكية تنزيلا للماضية منزلة الحاضرة.
[15.12]
{ كذلك نسلكه } أى كما أدخلنا الاستهزاء أو التكذيب فى قلوب شيع الأولين ندخله، { فى قلوب المجرمين } من قومك ومعنى هذا الادخال الخذلان والقدر لا الجبر كما زعمت الجبرية والآية دليل لثبوت القدر رادة على نافية من المعتزلة وغيرهم، وقرىء بضم النون وكسر اللام من اسلكه والإسلاك والسلك الإدخال. والهاء للاستهزاء أو التكذيب كما علمت. وقد كنت فيما مضى أرجع الهاء إلى الذكر وهو القرآن على أن المعنى كما نسلك ندخل الاستهزاء أو التكذيب فى شيع الأولين ندخل القرآن فى قلوب مجرمى قومك بمعنى نعلمهم به ونطلعهم عليه بدون أن يؤمنوا به وتدل له الهاء فى قومه.
[15.13]
Unknown page