1315

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[11.58]

{ ولما جاء أمرنا } أمر من الأمور، والمراد عذابنا أو أمر ضد النهى، أى أمرنا بالعذاب وهو العذاب بالريح، عذبت بها عاد الأولى، وهى قوم هود تدخل من الأنوف، وتخرج من الأدبار وتقطعهم عضوا عضوا سبع ليال وثمانية أيام حصوما. { نجينا } من ذلك العذاب { هودا والذين آمنوا معه } وهم أربعة آلاف { برحمة } بفضل وكرم منى، فإن عذاب الدنيا قد يعم المؤمن، أو يسبب الهداية لهم إلى الإيمان { منا ونجيناهم من عذاب غليظ } هو العذاب المذكور، أعاد ذكر التنجية ليبين ما نجاهم منه، وليصفه بالتغلظ، فذلك تأكيد وتهويل، واكتفاء بقول ولما جاء أمرنا نجينا منه هودا والذين آمنوا معه برحمة منا، بذكر لفظ منه أو أراد بالعذاب الغليظ عذاب الآخرة، وهو أولى ليفيد الكلام بالتلويح أن العذاب الذى عذبوه فى الدنيا، وإن كان عظيما فإنه صغير بالنسبة إلى العذاب الغليظ الذى هو عذاب الآخرة، وأنه كما عذبهم بعذاب الدنيا بكفرهم ينجيهم من عذاب الآخرة، وينجى منه هودا ومن معه، كما نجاهم من عذاب الدنيا بإيمانهم.

[11.59]

{ وتلك } إشارة إلى قبيلة عاد، كأنها حاضرة مرئية هذا ما يظهر به، وأفسر به الآية، أو أشار إليهم بواسطة ظهور قبورهم وآثارهم للعرب فى الأسفار، فإن حضورهم بالقبر والأثر كحضورهم بالجسم أو أشار إلى القبور والآثار نفسها، فيقدر الإضافة على هذا القول فى قوله { عاد } أى قبور وآثار عاد، كأنه قيل سيروا فى الأرض وانظروا آثارهم وقبورهم، فاعتبروا وهم عاد الأولى، وذلك مبتدأ أو خبر وقوله { جحدوا بآيات ربهم } مستأنف فى كفرهم، أو خبر ثان أو هو الخبر وعاد بيان أو بدل. { وعصوا رسله } الظاهر أن الله عز وجل أرسل إليهم رسلا متعددة وكذبوها، وقيل إنه لم يرسل إليهم إلا هودا، أو هو واضح وأنسب بآيات الشعراء إذ كان يذكر فيها أن عادا كذبت المرسلين، ثم يقول

إذ قال لهم أخوهم هود

وإن قوم فلان أو القوم المسمى بكذا كذبت المرسلين، ثم يقول إذ قال لهم أخوهم فلان. وفائدة ذلك التنبيه على أن من كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين، باشتراكهم فى أصل واحد وهو التوحيد، فالرسل على الوجه الأول رسل الله إليهم، أو جميع الرسل، لأنهم إذا كذبوا رسلهم فقد كذبوا جميع الرسل، وعلى الثانى رسولهم الواحد وهو هود وسائر الرسل، ويجوز أن يراد بالرسل هود وحده تعظيما له . { واتبعوا } حكم على المجموع، أو يقدر مضاف أى اتبع سفلتهم { أمر كل جبار } طاغ { عنيد } معارض للحق، بمعنى معاند من عند يعند وكبراءهم.

[11.60]

{ وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } معطوف على مجموع الجار والمجرور، ولذلك بقى على انتصاب الظرفية ولم يجر، وأجاز الفارسى عطفه على محل مجرور الذى هو النصب، كأنه لم يشترط فى العطف على المحل ظهور ذلك المحل فى الفصيح، والمراد جعلت اللعنة تابعة لهم فى الدنيا والآخرة على وفق اتباعهم الكفرة، وكلتا اللعنتين من الله سبحانه وتعالى، وقيل المراد بلعنة الدنيا لعنة الناس وبلعنة الآخرة لعنة الله على رءوس الخلائق، وقيل اللعنتان عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وأشار إلى موجب اللعنتين بقوله { ألا إن عادا كفروا ربهم } وهو الكفر، أى جحدوا ربهم، أو كفروا نعمة فحذف المضاف، أى ستروها وسترها هو عدم الشكر عليها، كأن لم ينعم بها عليهم، أو كفروا بربهم بالنصب فى هذا على نزع الخافض، ويجوز عندى أن يكون هذا بيانا للعنهم فى الآخرة بأن ينادى عليهم على رءوس أهل المحشر، ألا إن عادا كفروا ربهم. { ألا بعدا لعاد قوم هود } انتهى فنجوز على هذا الوجه أن يقدر محذوف، أى ويقال يوم القيامة، أو ينادى يوم القيامة، { ألا إن عادا } الخ، وعلى ذلك الوجه يكون معنى المجئ بصيغة الدعاء بالبعد، الإشعار ببعدهم عن رضا الله، وعن الجنة، ومقام الخير، أى اعتزلوا بهم أيها الملائكة إلى النار وقدم على ذلك ذكر موجبه وهو الكفر. وأما على أن يكون قوله { ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } مستأنفا لا بيانا للعنة الآخرة، فمعنى الدعاء عليهم بالبعد، وهو الهلاك على هذا، وقد هلكوا قبل هذا الدلالة على أنه أهل للهلاك، وكذا يقال إذا جعلنا اللعنة فى الآخرة والبعد بمعنى واحد على الوجه الذى ذكرت أنه جائز عندى، وذكر الأمرين، وأعاد ذكرهم بالاسم الظاهر تهويلا لأمرهم وتفظيعا له، وتحذير منه، وحثا على الاعتبار بحالهم، وبعدا مفعول مطلق نائب عن عامله، واللام بعده لبيان فاعل البعد ، والأصل بعد عاد قوم هود مجئ بالمصدر نائبا عن الفعل وأخر الفاعل وجر اللام. { قوم هود } عطف بيان لزيادة الإيضاح بحيث لا تبقى شبهة واحتراز عن عاد الثانية، وهى عاد إرم، وهى العمالقة، وللإشعار بأن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين صاحبهم هود عليه السلام من التكذيب والعناد.

[11.61]

{ وإلى ثمود أخاهم } فى النسب { صالحا } مثل

Unknown page