1139

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[8.21]

{ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } ما يقول محمد وهم المشركون والمنافقون يعنون السماع بالآذان { وهم يسمعون } سماع انتفاع، فكأنهم لم يسمعوا لعدم انتفاعهم به، فتراهم يقولون قد سمعنا، ولو شيئا لقلنا مثل هذا وسمعنا، وعلمنا أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، يقول كل بما بدا له.

[8.22]

{ إن شر الدواب } كل ما يدب على الأرض كما هو أصل اللغة، أو البهائم كما هو العرف العام ولو عند العرب { عند الله } متعلق بنسبة الخبر إلى اسم إن لا بشر، ولو كان اسم تفضيل، لأنك إذا قلت أعلم الناس عندى زيد لا نريد الذى أوجد عندى العلم الزائد زيد { الصم } عن الحق لا يسمعونه سماع قبول وانتفاع، فكأنهم لا يسمعون أصلا { البكم } عن النطق به، كأنهم لا يتكلمون أصلا { الذين لا يعقلون } الحق ولا يميزون بينه وبين الباطل، مع أن فيهم آلة التمييز، لكن لم يعملوا بها، فهم شر من الدواب، كالكلب والخنزير، والفأر وغيرها والبقر، لتركهم العلم بما به فضلوا عنها. ووجه التفضيل فى لفظ شر أن فى سائر الدواب خسة إذ لم يكن فيها مزية الإنسان فى هؤلاء الصم البكم خسة من حيث الكفر، وهذه الخسة أعظم من تلك، ويجوز خروج اسم التفضيل عن بابه، أى أن الذى هو الشرير من بين الدواب الصم البكم، ويجوز أن يراد بالشر المضرة مبالغة، وعليه فليس بوصف، والآية نزلت على العموم، وقيل نزلت فى بنى عبد الدار بن قصى، لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب ابن عمير، وسويد بن حرملة، كانوا يقولون نحن صم بكم فى ما جاء به محمد، نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعا يوم أحد، وكانوا أصحاب اللواء فيه إلا من أسلم وهو مصعب وسويد، والمراد طائفة من بنى عبد الدار لا جميعهم إذ لم يحضروا أحدا كلهم كما قال ابن عباس، هم نفر من بنى عبد الدار، وذكر ما مر، وقالت فرقة هم المنافقون، وضعفه الطبرى، وقال الحسن أهل الكتاب.

[8.23]

{ ولو علم الله فيهم خيرا } سعادة قضى لهم بها فى الأزل، وانتفاعا بالآيات والوعظ قضى لهم به فيه { لأسمعهم } أى الآيات والوعظ سماع تفهم وقبول، لكن لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم، ونفى علم الخبر اكتفاء بنفى اللازم عن نفى الملزوم، وذلك أنه لو كان فيهم خيرا لعلمه ولا بد. { ولو أسمعهم } سماع تفهم وقبول فآمنوا { لتولوا } لارتدوا وماتوا على الارتداد ولما سبق عليهم من الشقاوة { وهم معرضون } عنادا وطيشا، وهذه القضية الثانية الشرطية مستأنفة أو معطوفة على الأولى، ولكن عطف على أخرى لا متصلة بالأولى، بحيث تكونان على طريق القياس الاقترانى والأنتج، ولو علم فيهم خيرا لتولوا هذا خلف، لأن من علم الله فيه الخير لا يتولى ويموت على الارتداد، فليس قياسا اقترانيا، ولو اتخذ الوسط وهو الإسماع الذى هو جواب لو، أو الإسماع الذى هو شرط لو، فى أن المراد بهما معا سماع التفهم والقبول، ولك أن تجعل ذلك على طريق القياس الاقترانى، أن تجعل الوسط متحدا كما علمت، وتجعل الخير بمعنى الإيمان، والانتفاع مطلقا بمعنى السعادة، ولا بمعنى الإيمان والانتفاع الذين يموت عليها الإنسان، أى لو علم الله فى الأزل أنهم يؤمنون ويعملون الصالحات لأسمعهم الآيات والوعظ، ولو أسمعهم الآيات والوعظ لارتدوا عن ذلك للشقاوة، فينتج لو علم فيهم الإيمان والعمل الصالح لتولوا عنهما بعد العمل بهما للشقاوة، والوجه الأول أظهر عندى، وكلاهما جائز هذا ما ظهر لى بعد التأمل، ثم رأيت ابن هشام أشار إلى الثانى والحمد لله على موافقة علامة، وأما أن يجعل الوسط مختلفا هكذا لأسمعهم سماع تفهم وقبول، ولو أسمعهم سماع غير تفهم وقبول فلا يصح عندى، لأن لو امتناعية، فيلزم انتفاء إسماعهم سماع غير تفهم وقبول وهو موجود، لأنه السماع بالأذن، اللهم إلا إن أريد بهذا الإسماع الذى هو غير سماع تفهم وقبول، سماع زائد على سماع الأذن غير بالغ درجة النفع، أو تجعل لو بمعنى إن الشرطية لكن يضعف هذا قرن جوابها بالام، فإن اللام أصل فى الامتناعية. وقد أثبت القاضى وابن هشام هذا الوجه الذى هو اختلاف الوسط، ولم أر من أورد عليهما ما أوردت، ولا من أجاب بما أجبت، لكن كلام القاضى محتمل للوجه الأول، وما ذكرته من جوز كون الكلام على طريق القياس الاقترانى مبنى على التحقيق، لأنه يكون فى القضايا الشرطية، كما يكون فى الجملة، لا كما قال الأخضرى إنه مختص بالقضايا الجملية، وهو هنا من قضيتين شرطيتين متصلتين. وقيل إنهم قالوا أحيى لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك، فالمعنى لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كلام قصى، بأن يحييه فيتكلم لهم بذلك، ولو اسمعهم كلامه لتولوا، والكلام فى هذا القول قابل لما ذكرته، من أن الكلام على طريق القياس الاقترانى، وعلى غير طريقه، وجملة هم معرضون حال مؤكدة لعاملها، فإن التولى عن الحق، والإعراض عنه بمعنى ترك اتباعه، وإن جعل ذلك تمثيلا بمن تولى بجسده أعرض بقلبه، فليست مؤكدة .

[8.24]

{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول } انقادوا لهما باطاعة فيما أمركم { إذا دعاكم } أمركم، ورجع الضمير إلى الرسول وحده، لأن أمره أمر الله، ولأن أمر الله يكون على لسانه، والاستجابة له استجابة للرسول، وبالعكس، وذلك على حد ما مر فى { ولا تولوا عنه } والمشهور تعدى استجاب باللام، وأجاب بنفسه ويجئ بالعكس { لما يحييكم } من علوم الدين والاعتقادات والأعمال الحسنة، فإن العلم حياة للقلب، والجهل موته كما قال المتنبى من بحر البسيط

ولا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن

والعمل الحسن يورث الحياة الطيبة الدائمة فى الجنة، وهذه الحياة مفقودة فى أهل النار، وتفسير الآية على العموم المذكور هو الحق الواضح، ثم اطلعت والحمد لله على أنه قول مجاهد والجمهور. وقال ابن إسحاق المراد بما يجيبكم الجهاد أنه سبب البقاء، إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم، ولأن الله سبحانه أعز به المسلمين بعد الذل، و الحياة تطلق على العزة، يقال حييت حال فلان إذا ارتفعت، وقال النقاش المراد الشهادة لقوله

Unknown page