Himyān al-zād ilā dār al-maʿād
هميان الزاد إلى دار المعاد
[7.50]
{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } من سائر الأشربة أو الطعام المائع، بدليل الإضافة، أو الأصل أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، كقوله
علفتها تبنا وماء باردا
أى وسقيتها ماء باردا، أو يضمن أفيضوا معنى ألقوا، فيصلح للمائع وغيره بلا تقدير، وقولهم أفيضوا علينا دليل على أن الجنة فوق النار، وإنما طلبوا ذلك مع يأسهم من الإجابة تحيرا كما يفعل المضمر الممتحن، أو لما رأوا أصحاب الأعراف دخلوا الجنة طمعوا فى الفرج كما قال ابن عباس، فيقولون لو رأينا قرابتنا من أهل الجنة يا ربنا وكلمناهم، فيشرف عليهم أهل الجنة غير عارفين لهم لتغير النار وجوههم، فينادى الرجل أباه أو أخاه قد احترقت وجوههم أفض على من الماء، وجعت ألق إلى طعاما وذلك لشدة عطشهم وجوعهم عقوبة على الكفر والمعاصى، ولأن شهوتهم فى الدنيا الشراب والأكل فعذبوا بفقدهما فسألوهما لاعتيادهم ذلك النداء، وجوابه الآتى بإشراف أهل الجنة عليهم أولا، لأنه أنكى وأخزى، ويجوز أن يكون ذلك وأهل الجنة غير مشرفين عليهم وبينهم السور وهو سور شفاف. { قالوا } أى أصحاب الجنة { إن الله حرمهما على الكافرين } جواب منهم بأمر الله متضمن للحرمان وعبروا لضمير الاثنين مع أن أهل النار تكلموا، بأو إما إيضاحا لتحريم الماء وما رزقوا معا بحيث لا يتمسكوا بأحد منهما، ولا يطمعوا فيه، أو لأن أو فى كلامهم بمعنى الواو لأنه تجوز التثنية بعد أو، ومعنى تحريمهما على الكافرين منعهما منهم، وعدم وصولهم إليهما، أو شبههما بما حرم من القول أو الفعل أو الاعتقاد على المكلف أن يفعله، وإنما قدموا الماء لأن العطش أشد من الجوع، قال صلى الله عليه وسلم
" أفضل الصدقة الصدقة بالماء "
أى عند الحاجة إليه، واستسقى الشعبى عند مصعب فقال له أى الأشربة تحب؟ فقال أهونها موجودا، وأعزها مفقودا، فقال مصعب يا غلام هات الماء.
[7.51]
{ الذين } نعت أو ذم { اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } أى اتخذوا دين الله لهوا ولعبا، وأضيف إليهم لأنه واجب عليهم، ومكلفون به، وذلك أنهم يسخرون من الداعى إليه، ويهزءون به، ويتصرفون معه تصرف المشتغل بما لا ينفعه من قول أو فعل، وعن ابن عباس هم المستهزئون الذين جعلوا القرآن عضين، وقيل المعنى الذين اتخذوا لأنفسهم دينا هو لعب ولهو، كتحريم البحيرة، والتصدية حول البيت، وقيل الدين العيد يلهون فيه ويلعبون ولا يذكرون الله، واللهو طرح الهم لا يحسن أن يطرح به، واللعب جلب الفرح بما لا يحسن أن يجلب به. { وغرتهم } خدعتهم { الحياة الدنيا } بنفع لا يدوم ولا يتخلص من كدورة عن النفع الدائم المتخلص عنه، العظيم الذى لا يشبهه نفع، ويجوز أن يكون من الغر بمعنى ملء الفم أى أشبعتهم وأبطرتهم، وذلك من كلام أهل الجنة، قيل أو من كلام الله. { فاليوم } يوم القيامة الحاضر، وهذا من كلام الله { ننساهم } نفعل بهم فعل إنسان نسى آخر كعبده فى ضر، فتركهم فى النار عطاشا جياعا { كما نسوا لقاء يومهم هذا } كما فعلوا بلقاء هذا اليوم فعل الناسين، فلم يستعدوا له، وقد علموا أنه آت لا بد، وكما لم يخطر ببالهم وإن ذكروا به نسوه، لأنهم لا يؤمنون به، فالنسيان فى الموضعين بمعنى التناسى أو الترك، أو الأول بمعنى أحدهما، والثانى على أصله فعبر أولا به على المناسبة. { وما كانوا بآياتنا يجحدون } ما فى الموضعين مصدرية، أى كنسيانهم لقاء يوم القيامة، وجحدهم أن تكون الآيات منا، أو أجيز كون ما الثانية صلة ، وكانوا مستأنف أو معطوف على غرتهم الحياة الدنيا، وعلى نسوا، وهذا دليل على أن المراد بالكافرين المشركون والمنافقون الذين أسروا الشرك لا المشركون والمنافقون مطلقا فإن الموحد صاحب الكبائر لا يجحد الآيات إن أن تجعل ما نافية، أى وما كانوا كلهم مشركين، بل بعضهم مشرك وبعض منافق أسر شركا، وبعض منافق موحد.
[7.52]
{ ولقد جئناهم } هذا الكلام فى هذه الأمة، { بكتاب } هو القرآن وتنكيره تعظيم، والباء معاقبة لهمزة التعدية، كأنه قيل ولقد جئنا كتابا إليهم، وزعم بعضهم أن الكلام فيمن تقدم ذكره عموما، وأن الكتاب جنس كتب الله سبحانه { فصلناه } بينا عقائدا وأحكاما ومواعظ، وقرأ ابن محيصن فضلناه بالإعجام، أى فضلناه على سائر الكتب، { على علم } متعلق حال من الهاء، أى فصلناه مشتملا على علم أو من ناب ثابتين بعلم، والمراد عالمين بوجه تفصيله، فيكون فى غاية الحكمة، أو فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك، ومعنى كون الله سبحانه عالما أن ذاته كافية فى انكشاف المعلومات لا عالم بعلم زائد حال فى الذات، تعالى أن يكون محلا للأشياء، أو أن يكون محلا له، وإلا لزم اتصافه بالجهل قبل أن يحل فيه العلم، فإن قالوا إنه حال فيه قديم تناقض كلامهم، فإن الحال الحادث غير قديم، ولزمهم تعدد القدماء، فلا يقال عالم بعلم، هذا ما يليق بمذهبنا. { هدى ورحمة } مفعول لأجله لجئنا أو لفصلنا، أو حال من هاء فصلناه مجىء الحال مصدرا مبالغة ويأول بالوصف أو التقدير الإضافة { لقوم يؤمنون } وأما غيرهم فلو خوطب به وكلف لكنه غير منتفع به.
Unknown page