1014

Himyān al-zād ilā dār al-maʿād

هميان الزاد إلى دار المعاد

[6.142]

{ ومن الأنعام حمولة وفرشا } من الأنعام متعلق بأنشأ السابق بواسطة تسلطه على حمولة، وفرشا بالنصب على المفعولية بواسطة عطفهما بالواو على جناب، ومن للابتداء أى من جنس الأنعام، أو يتعلق بمحذوف حالا من حمولة وفرشا، فتكون من للتبعيض أو للبيان، والمعنى أنه أنشأ الحمولة والفرش لأبيكم آدم، فهى تتوالد حتى وصلتكم بالولادة وأنشأها لكم بمعنى أنه لم يقطع توالدها عنكم، بل صيرها تلد لكم، وقيل يقدر أو أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا، والحمولة ما يحمل على ظهره وهو الإبل، وإنما كانت فيه التاء مع أنه فعول بمعنى فاعل، لأنه اسم خارج عن الوصية، وأصله أن يكون وصفا والفرش ما دونه من الأنعام وهو البقر والغنم، شبهت لقربها من الأرض لصغرها بالنسبة إلى الإبل بما يفرش على الأرض. والفرش مصدر سمى به البساط المفروش على الأرض، ثم أطلق على البقر والغنم بالتشبه، والحمل ولو كان قد يكون على البقر وعلى كبش الراعى الذى يحمل عليه الشئ اليسير، لكن ذلك قليل غير مطرد، فوجب التيسير بالمطرد وهو الإبل. وقال الربيع ابن أنس الحمولة الإبل والبقر، والفرش والغنم، وذلك باعتبار من اعتاد الحمل على البقر، وقيل الحمولة الإبل الكبار، والفرش الصغار من الإبل وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنه، وعن ابن مسعود وابن عباس والحسن الحمولة ما يحمل وهو الإبل الكبار، والبقر الكبار، والفرش الإبل الصغار، والبقر الصغار، والغنم. وعن ابن عباس الحمولة الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وكلما يحمل عليه، والفرش الغنم، وفى هذا تسميته غير الإبل والبقر والغنم أنعاما مثلهن، وقيل سمى الصغار من ذلك فرشا لقربه من الفرش الذى هو اسم للأنعام، أو قيل لأنه يضطجع على الأرض فيكون كالفرش إذا أريد ذبحه، وقيل لأنه يتخذ من صوفه وشعره ووبره ما يفرش على الأرض. { كلوا مما رزقكم الله } وهو تلك الأنعام والحروث وغيرها، لا تحرموا منه شيئا كالبحيرة وأخواتها، وما تجعلون للأصنام، والجملة مفعول لحال محذوف ناصبه أنشأ المذكور أو المحذوف، أى قائلين كلوا وهى محكيته إن قيل الإنشاء غير إنشاء أولها، أو أنشأها الأول، أو ما بعده باعتبار آدم ومقدرة إن قلنا الإنشاء الذى قبل آدم، أو الجملة معترضة كلام بلا تقدير قول، ومعلوم أن الله لا يسمع الحرام، فالمعنى مما رزقكم الله وكان حلالا، فالرزق يطلق على الحلال والحرام عندنا، لا كما قالت المعتزلة إنه لا يطلق على الحرام، زعموا هنا أن الله أمر بأكل الرزق ومنع بعد من اتباع خطوات الشيطان، ومنها أكل الحرام، ولا يتعين ذلك، بل الآية أنسب بما قلنا بأن أباح الرزق ونهانا عما حرم منه وهو الحرام. { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } وساويسه فى تحريم البحيرة وأخواتها، وأعنى بأخواتها السائبة والوصيلة والحامى، وفى تحريم ما يجعل للأصنام ونحو ذلك، فشبه وساويسه بآثار القدم، لأنهما شئ قد أثبته لهم ولمن قبلهم، فمتبعه كمتبع آثار القدم، وقرئ بضم الطاء اتباعا للخاء وبفتحها تخفيفا عن الضم، وأما الإسكان فعلى أصله المفرد. { إنه لكم عدو مبين } تعليل جملى أى لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، أو مظهرها لكم غير مخفيها، فكيف تتبعون من يريد إهلاكهم؟! مبين حق، أبان بمعنى ظهر أو أظهر.

[6.143]

{ ثمانية أزواج } بدل من حمولة، وفرشا، بدل مطابق إذا قلنا إن الأنعام لا تطلق على غير هذه الثمانية، وإن الحمولة والفرش لا تخرج عنها، أو مفعول به لكلوا، فتكون جملة ولا تتبعوا خطوات الشيطان معترضة، وعلى الأول وهو الراجح يكون، وغيره مما يأتى مفعول كلوا محذوفا أى كلوا ما شئتم وحل لكم مما رزقكم الله، أو مفعول لكلوا محذوفا دل عليه المذكور، أو حال من ما أى كلوا منه حال كونه متعددا مختلفا لا قليلا تضيقون عنه ولا شيئا واحدا تسيمونه، والزوج أحد كل شيئين مقترنين، فاثنان زوجان، والواحد زوج، وإطلاق الزوج على اثنين لغة ضعيفة، وقيل تحريف، ولو كان الزوج اثنين فى الآية لكان الحاصل ستة عشر، وإنما الحاصل ثمانية كما ذكر الله، الذكر والأنثى من كل نوع من الأنواع الأربعة من الأنعام، والذكر زوج، والأنثى زوج أيضا بلا تاء، وورد الأنثى أيضا بالتاء قليلا فى غير القرآن. { من الضأن اثنين } كبش أو نعجة، والضأن صاحب الصوف من الغنم، ومن الضأن حال من اثنين، واثنين بدل من ثمانية بدل مطابق باعتبار ما يعطف بعد أيضا، أو مفعول لأنشأ محذوفا يتعلق به من الضأن، والضأن جمع ضائن كصاحب وصحب، وتاجر وتجر، والمشهور فى هذا ونحوه أنه اسم جمع، ويقال أيضا، ضائبة وضأن، وتاجرة وتجر، وصاحبة وصحب، وقيل الضأن اسم جنس يطلق ولو على الواحد، وقرئ بفتح همزة ضأن جمع ضائن كخادم وخدم، وحارس وحرس بفتح أوائلهن، وقرئ اثنان على لغة قصر المثنى فهو منصوب، أو على أنه مبتدأ خبره من الضأن. { ومن المعز اثنين } ذكر ويسمى التيس، وأنثى وتسمى العنز، والمعز ما له شعر من الغنم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بفتح العين جمع ماعز، واسم جمع كصاحب وصحب، وقرأ ابى المعزى جمع ماعز أو اسم جمع كبيت العروض لامرئ القيس

إذا ما لم تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصى

{ ومن المعز اثنين } وقوله

ومن الإبل اثنين

وقوله

ومن البقر اثنين

كإعراب قوله { من الضأن اثنين } لكن بالعطف عليه لا بتقدير عامل. { قل آالذكرين حرم أم الأنثيين } قل يا محمد لهم إنكارا وتوبيخا أحرم الله الذكرين ذكر الضأن وذكر المعز، أم حرم الانثيين أنثى الضأن وأنثى المعز، وقدم المفعول للحصر، وكذا فى قوله بعد { قل آ الذكرين }. { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } أنثى الضأن وأنثى المعز، أى أحرم الله الذكرين فقط الكبش والتيس، أم الأنثيين فقط النعجة والعنزة، أو حرم جميع ما يكون فى رحم النعجة من نعجة وكبش، وما يكون فى رحم العنزة من عنزة وتيس، لا تجدون الله حرم شيئا من ذلكم، سواء أكان على صفة ما تجعلونه بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاميا أو لم يكن، وسواء جعلتموه نصيبا للأصنام وكفرتم بذلك أم لم تجعلوه، فما تحريم ذلك إلا من عندكم تبعا لعدوكم الشيطان، فإن كان فى تحريم ذلك وحى من الله أو حجة عقل صحيح فهاتوه، فإن الصنم لا بنفع ولا يضر، وليس ما تجعلونه نحو بحيرة مستوحيا لذلك، وإنما هو مسخر للانتفاع، ولذلك خلقه الله بلا حد يحده كما قال { نبئونى } أى أخبرونى { بعلم } صحيح فى تحريمهن، أى بأمر معلوم الصحة، أو بما يعد علما لا جهلا { إن كنتم صادقين } فى قولكم إنها محرمة، أو قولكم إن الله حرمهن.

Unknown page