تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

الجنابذي ت. 1350 هجري
158

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تصانيف

{ يأهل الكتاب } نداء من محمد (ص) وامته لهم على سبيل التبجح وما بعده من كلامهم او مستأنف من الله تعالى او النداء من الله لهم وعلى اى تقدير يدل الاتيان باداة نداء البعيد على كمال غفلتهم وحاجتهم الى نداء البعيد { لم تحآجون في إبراهيم } اى فى شريعته وملته وانه على اى ملة كان على ما قيل ان احبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله (ص) فتنازعوا فى ابراهيم (ع) فقالت اليهود: ما كان الا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان الا نصرانيا فأنزل الله هذه الآية { ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } يعنى ان ملة التهود وشريعته كانت من التوراة وشريعة التنصر كانت من الانجيل ونزلت التوراة بعد ابراهيم نحوا من الف سنة ونزل الانجيل بعده نحوا من الفين { أفلا تعقلون } ان هذه دعوى برهان بطلانها معها ولا يدعى مثلها العاقل.

[3.66]

{ هأنتم هؤلاء } منادى او بدل او خبر والاتيان به وبأداتى التنبيه للاشعار بانهم من حمقهم وبلادتهم لا يتنبهون بدون التأكيد فى التنبيه وبدون النداء، واذا كان هؤلاء بدلا او خبرا كان كالتصريح ببلادتهم فان المعنى انتم هؤلاء الحمقى الذين ادعوا دعوى برهان بطلانها معها { حاججتم فيما لكم به علم } من امر موسى (ع) وشريعته وامر عيسى (ع) وشريعته يعنى كان فى ذلك علم اجمالى لكم وشأنكم ان يكون ذلك معلوما لكم فحاججتم وصرتم مغلوبين فى المحاجة { فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } من امر ابراهيم وشريعته يعنى ان العاقل اذا صار مغلوبا حين المحاجة فى امر يكون معلوما له او من شأنه ان يكون معلوما له ينبغى ان يتحرز عن المحاجة فيما ليس له به علم، ومن لم يتحرز عن المحاجة فيما ليس من شأنه العلم به كان سفيها غير عاقل { والله يعلم } فيعلم نبيه { وأنتم لا تعلمون } فمحاجتكم مع الرسول محاجة الجاهل مع العالم وليست وصف العاقل.

[3.67]

{ ما كان } متعلق بيعلم ولا تعلمون على سبيل التنازع وعلقهما لفظ ما عن العمل، او ابتداء كلام من الله للرد على اليهود والنصارى والمشركين فى دعاويهم الباطلة فانه بعد ما سفههم تلويحا وتصريحا صرح بالمدعى وابطال دعواهم فقال: ما كان { إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا } مستقيما او مائلا الى الدين الحق من الاديان الباطلة ولمناسبة احد المعنيين فسر بالخالص وهو تعريض بهم { مسلما } منقادا لله او صابرا ذا سلامة من عيوب النفس وبهذا المعنى فسر بالمخلص وهو ايضا تعريض بهم { وما كان من المشركين } رد على المشركين لانه ادعى مشركوا مكة ان ملتهم ملة ابراهيم (ع) ولما كان نفى الاشراك خارجا مما كان البحث والمحاجة فيه كرر النفى والفعل للاشعار بكونه نفيا آخر، نسب الى امير المؤمنين (ع) انه قال: لا يهوديا يصلى الى المغرب ولا نصرانيا يصلى الى المشرق ولكن كان حنيفا مسلما على دين محمد (ص).

[3.68]

{ إن أولى الناس } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: اذا لم يكن اليهودية والنصرانية وملة الشرك منسوبة الى ابراهيم فمن كان اقرب الخلق اليه؟ - فقال: ان اقرب الناس واحقهم { بإبراهيم للذين اتبعوه } فى زمانه وبعده الى بقاء امته { وهذا النبي والذين آمنوا } اى اسلموا بالبيعة العامة على يده تعريض بهم ونفى لولايتهم به فانهم ادعوا اولويتهم به كل بوجه فقال تعالى: ان الاولى به فى زمانه امته، وفى هذا الزمان محمد (ص) وامته لانهم احيوا ملته وما خالفوه فى اصول العقائد، واولى الناس بالانبياء اعملهم بما جاؤا به، عن الصادق (ع) هم الائمة ومن اتبعهم يعنى الذين آمنوا فأراد من الايمان، الايمان الخاص الحاصل بالبيعة الخاصة الولاية وقبول الدعوة الباطنة المورثة دخول الايمان فى القلب والباعثة لمعرفة هذا الامر والدخول فى أمرهم وعن عمر بن يزيد عنه قال: انتم والله من آل محمد (ص) فقلت: من أنفسهم جعلت فداك؟ - قال: نعم والله من أنفسهم ثلاثا ثم نظر الى ونظرت اليه، فقال: يا عمر ان الله يقول فى كتابه: ان اولى الناس؛ الآية، وعن امير المؤمنين (ع) ان { أولى الناس } بالانبياء أعملهم بما جاؤا به، ثم تلا هذه الآية: قال: ان ولى محمد (ص) من أطاع الله وان بعدت لحمته، وان عدو محمد (ص) من عصى الله وان قربت قرابته { والله ولي المؤمنين } تشريف آخر لهم وتعريض بأهل الكتاب حيث قالوا: { نحن ابناء الله واحباؤه }.

[3.69]

{ ودت } كلام منقطع عن سابقه كأنه اراد بعد تسفيه اهل الكتاب وتشريف المؤمنين ان يهيجهم لئلا يغتروا باضلال اهل الكتاب فقالت: ودت { طآئفة } قليلة لان أكثرهم كالبهائم لا يتنبهون بضلال واضلال وهداية { من أهل الكتاب لو يضلونكم } اى اضلالكم { وما يضلون } بارادة اضلال المؤمنين { إلا أنفسهم } فان الضال اذا اراد اضلال الغير اشتد ضلال نفسه فهو باضلال الغير يضل نفسه { وما يشعرون } انهم فى اضلال الغير ومنعه عن الخير يضلون أنفسهم ويمنعونها عن خيرها، او ما يضلون من المؤمنين الا أسناخهم فان من لم يكن من سنخهم من المؤمنين لا يضل باضلالهم، ومن يضل باضلالهم كان من سنخهم لانه كان كافرا مثلهم وكان الايمان عرضا معارا لهم، او ما يضلون وما يزيدون بارادة اضلال المؤمنين الا فى ضلال امثالهم من الكفار فان الكافر اذا رأى وسمع اضلال قرينه للمؤمنين اشتد ضلاله.

[3.70]

صفحة غير معروفة