المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

زكي نجيب محمود ت. 1414 هجري
125

المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

تصانيف

أنزل من السماء ماء : «هذا مثل ضربه الله تعالى للعبد، وذلك إذا سال السيل في الأودية، لا يبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها، كذلك إذا سال النور الذي قسمه الله تعالى للعبد في نفسه لا تبقى فيه غفلة ولا ظلمة.» وكذلك يستشهد السهروردي في تأويل

أنزل من السماء ماء

بمتصوفة آخرين غير «ابن عطاء»؛ فقد قال بعضهم إن الماء الذي أنزل الله من السماء هو «الكرامات»، يأخذ منها كل قلب بحظه ونصيبه، وأما الأودية التي يسيل فيها ماء «الكرامات» فهي قلوب علماء التفسير والحديث والفقه، وكذلك تسيل بذلك الماء النازل - ماء العلم أو ماء الكرامات، أي تفسير منهما شئت - قلوب الصوفية من العلماء الزاهدين في الدنيا، المتمسكين بحقائق التقوى، وهي تسيل بقدرها؛ فمن كان في باطنه لوث محبة الدنيا من فضول المال والجاه وطلب المناصب والرفعة، سال وادي قلبه بقدره، فأخذ من العلم طرفا صالحا، ولم يحظ بحقائق العلوم؛ ومن زهد في الدنيا اتسع وادي قلبه فسالت فيه مياه العلوم» (عوارف المعارف، ص13-14).

هكذا وجد السهروردي - وغيره ممن استشهد بأقوالهم - المطر النازل من السماء يراه المتصوف في الحلم (أم هل يقصدون أن المتصوف يراه في يقظته الحالمة؟ لا أدري) معرفة بأسرار الحق ينفتح لها قلب الزاهد، كما رأينا الدلالة الرمزية نفسها عند نجم الدين الكبرى. ولنعد إلى الشيخ نجم الدين في تصوراته لمن أهلك من نفسه جوانبه المادية ماذا يرى؟ ولقد أسلفنا القول فيما يراه من أمات جانبه المائي كيف يجد نفسه خائضا في بحر المعرفة خوضا، وشموس المعرفة وأنوارها هناك تسطع في القاع، ومطر المعرفة هاطل عليه من السماء؛ فالماء يحيط به من كل أقطاره، ليعوضه عما قد تخلص منه، وأعني الجانب المائي من طبيعته! ولننظر فيمن تخلص من عنصره الناري ثم من عنصره الهوائي كيف يكون: «إذا شاهدت نيرانا وأنك خائض فيها ثم تخرج عنها، فاعلم أنه فناء الحظوظ النارية؛ وإذا شاهدت بين يديك فضاء واسعا ورحبا شاسعا ومن فوقه هواء صاف، وترى في نهاية النظر ألوانا كالخضرة والحمرة والصفرة والزرقة (ليلحظ القارئ انشغال الشيخ بالألوان في تصويره)، فاعلم أن عبورك على هذا الهواء إلى تيك الألوان، علامة حياة الهمة، والهمة معناها القدرة» (فوائح الجمال وفواتح الجلال للشيخ نجم الدين الكبرى، ص6-7). ويقول المؤلف في ختام عبارته «الملونة » السالفة إن أمثال هذه المعاني التي يراها المتصوف مصورة في تلك الصور، إنما هي معان تنطق بأنفسها، بلساني الذوق والمشاهدة؛ فإنك تذوق بنفسك ما تشاهده ببصيرتك، وتشاهد ببصيرتك ما تذوقه بنفسك، «وهو أنك متى شاهدت الخضرة أحسست من قلبك انطلاقا، ومن صدرك انشراحا، ومن نفسك طيبة، ومن روحك لذاذة، ولبصيرتك قرة، وهذه صفات الحياة.» فالألوان ألسنة تنطق بالحق للمتصوف، إذا وجدها بارقة فهو ميسر له في طريقه، وإذا رآها باهتة صفراء فهو في شدة وكرب مما يعاني من أفاعيل الشيطان. وكأنما يريد الشيخ نجم الدين أن يؤيد هذه الإشارة بما نراه جميعا في طبائع الأشياء والأحياء من حولنا؛ ألا تدل خضرة النبت على قوته وحياته وسرعة نموه، بقدر ما تدل صفرته على ضعفه وذبوله؟ ثم ألا تدلك ألوان الوجوه على عوارض خافية ما لم يفصح عنها لون الوجه؛ فحمرة الوجه تدل على شيء، وصفرته تدل على آخر وهكذا؟ ونحن نعيد ما قلناه مرة ومرة وثالثة: هذا كله تصوير جميل لرؤية المتصوف ورؤاه؛ فهي معرفة لحقائق الأشياء ب «الذوق» وبالعيان المباشر، ولكن هذا كله شيء، والنظر العقلي شيء آخر.

يروي لنا هذا الشيخ المتصوف - نجم الدين الكبرى - عن نفسه؛ كيف صعد إلى السماء، أو نزلت السماء إليه - لا أدري - فيقول: «عرجني ملك فجاء من وراء ظهري، فالتزمني وحملني ودار إلى وجهي، فقبلني، وتشعشع نوره في بصيرتي، ثم قال: بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. وعرج بي قليلا ثم وضعني. كنت أسمع وقت السحر - وأنا ذاكر في الخلوة - تسبيح الملائكة، وكأن الحق نزل إلى السماء الدنيا، فأسرعت الملائكة في قولهم كأنهم خافوا وطلبوا النجاة، كالصبي يخاف الأب إذا غضب عليه وهم بالضرب، فيقول: تبت! تبت!» (ص10 من المرجع المذكور).

ومثل هذا القول - بمعناه إن لم يكن بلفظه - مما تراه شائعا في كتابات المتصوفة. وأما أنه بعيد عن المعقول بعد المجرة والسديم فذلك واضح، ولكنني أريد أن أضيف إلى ذلك أنه قول لا أراه يندرج حتى فيما يجوز أن يعد وجدانا شعريا؛ لأنه ليس بذي مضمون على الإطلاق، لا من جهة «العقل»، ولا من جهة «الشعور»، وإذن فماذا يكون؟ إنه لا شيء، فلا نفع لنا من ورائه ولا إيحاء بما ينفع، ولا غذاء فيه لقلب ولا إيحاء بما يريح القلب ويرضي.

ومع ذلك ففي وهم هذا الشيخ أنه قال بالعبارة التي أسلفناها كلاما يعد من «خواطر الحق»؛ ذلك أنه يعقب عليها بتعليق أراد به أن يفرق بين ما أسماه «خاطر الحق» وما أسماه «خاطر النفس»، فقال : «خاطر الحق يكون إلهاما، والإلهام صحيح، وإذا خطر لا يعترض عليه عقل ولا نفس ولا شيطان ولا قلب ولا ملك، ثم هذا الإلهام تارة يكون في الغيبة فيكون أشد ظهورا وأقرب إلى الذوق، والسر فيه أن الخواطر الحقانية هي العلم اللدني، وهي ليست في الحقيقة خواطر، بل هو علم أزلي، علمه الله الأرواح حين خاطبهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى! وعلم آدم الأسماء كلها، فتعلمت هي كذلك بالعلم اللدني، إلا أن العلم قد يستر بظلام الوجود؛ فإذا صفا السيار (أي المتصوف) وغاب عن الوجود ظهر العلم اللدني، أو حكم من أحكامه، فيرجع السيار إلى الوجود ومعه العلم وهو الإلهام، وصار كالخط المكتوب على اللوح إذا اندرس بغبار وقع عليه ثم أزيل الغبار فيظهر الخط» (ص11).

لو أننا قرأنا لشيخنا هذا كلاما كهذا على سبيل التفكهة التي نخفف بها عبوس الحياة العصرية بكل ثقلها، لقلنا: نعم ونعام عين! أما أن نقرأ في التراث صحائف ملئت بمثل هذا «العلم اللدني» الذي ينبثق في النفس إبان غيبوبتها عن الوجود، ثم نشتم فيه شيئا من رائحة الجد، فتلك هي النكبة! وقد تسألني: وهل منا من يقرأ لأمثال هؤلاء قراءة الجاد؟ فأجيبك: بأنني قد صادفت رجالا، لا من عامة الناس وطغامهم، بل كانوا من أساتذة الجامعات، قد ملئت شعاب رءوسهم بمادة كهذه، يصدقونها ثم يحملون طلابهم على تصديقها وإجلالها احتراما للسلف.

وبعد، فانظر كيف يستطرد الشيخ في حديثه ليصل إلى ما يكون عليه المتصوف من قوة على تحقيق المعجزات الخوارق، وكأنه لم يعد بشرا من البشر، وكأن الطبيعة قد تحولت لعبة يلهو بها طفل كيف شاء، يقول: «الذوق والمشاهدة ثابتان معا، إلا أن المشاهدة (يعني مشاهدة «الحق») سببها فتح البصيرة بكشف الغطاء عنها، والذوق سببه تبديل الوجود والأرواح، والذوق هو الوجدان بما يأتيك، ويدخل في هذا التبديل تبديل الحواس (أرجو من القارئ أن يقرأ هذه الأسطر متمهلا)؛ فإن الحواس الخمس تتبدل بحواس أخر، ومثاله النوم؛ فإنه مهما نام واستخلص قليلا عن أثقال الوجود، انفتحت حواس أخر إلى الغيب، من عين وسمع وشم وفم ويد ورجل ووجود آخر، فيرى ويسمع ويأخذ من لقم الغيب ويأكل - وربما يقوم من نومه بعد الأكل فيجد لذة الطعام في فمه - ويتكلم ويمشي ويبطش ويصل إلى البلاد القاصية، ولا يحجبه البعد، وذلك وجود أكمل من هذا، وربما تجد في ذلك الوجود قوة الطيران والمشي على الماء والدخول في النار ولا يحترق، ولا تحتسب هذا جزافا! بل هو حقيقة! وهو أخ الموت، فما يجده العامي في منامه بحسب قوة وجوده الأدنى، يجده السيار (أي المتصوف) بين اليقظة والمنام، لضعف وجوده الخسيس، وقوة وجوده الشريف النفيس، ثم يقوى هذا الوجود الشريف فيقع الفعل إلى عالم الشهادة، فيطير ويمشي على الماء ويدخل في النار فلا يضره. والحاضر معه (أي من يجالسونه من سائر الناس) محجوب بالوجود الكثيف، لا يجد ذلك» (ص18).

هكذا يقول المتصوف من الأقدمين، وهكذا أيضا يردد قوله ألوف الناس من المعاصرين، منهم العامة ومنهم العلماء! وخلاصة القول مرة أخرى هي هذه: أليس يرى النائم فيما يحلم أنه قد يفعل أي شيء مما يستحيل عليه فعله ساعات الصحو؛ لأن الواقع العنيد يأبى عليه عندئذ أن يتحكم فيه إلا بما تسمح له به قوانينه الطبيعية؟ فإذا جاز هذا في النوم دون الصحو لعامة الناس، فإنه بالنسبة لأصحاب الوجود الشريف النفيس (كالمتصوفة) يجوز في النوم وفي الصحو على حد سواء. إن الرجل من عامة الناس قد يحلم بأنه يطير في الهواء أو يمشي على الماء أو يدخل في النار فلا يصيبه الأذى ، فكذلك الرجل من الطائفة المقربة قد تفعل هذه الأفعال كلها في دنيا الواقع وعلى مرأى من الناس ومسمع! وأترك لكل قارئ أن يستعيد من ذكرياته الخاصة كم مرة سمع ممن تحدثوا إليه عن رجال يفعلون هذه الخوارق نفسها، يفعلونها اليوم الذي هو عهد الصواريخ تشق السماء لتهتك أستارها. والذي أردت أن أقوله هنا هو أن مثل هذا «اللامعقول» لا يصح له بقاء.

صفحة غير معروفة