لست أجادل هنا في أن يكون الحالم أو لا يكون في نعيم من أحلامه، لكن الذي أقرره هو أن المتصوف رجل يحلم في يقظته، وسواء أوجد النشوة في أحلامه تلك أم لم يجدها، فهو على كلتا الحالتين ليس مؤهلا بأحلامه للدخول في دنيا العمل. إنه لا ينجز شيئا لا لنفسه ولا لغيره، إلا أن تزول عنه تلك الحالة التي ملأته بأوهام الحلم حتى لتعجز عيناه أن تبصرا ما تراه العين، وأذناه أن تسمعا ما تسمعه الأذن. نعم إنه يعوض لنفسه ما فقدته حواسه برؤى وأنغام ينفرد بها دون سائر الناس، لكنها لهذا السبب نفسه لا تصلح متكأ يرتكز عليه في أن يسلك طريقا بين كائنات الواقع؛ وبالتالي فهو لا يمدنا بخبرة تفيد، مهما أمدنا بمادة لها عند القراءة سحرها. وسأسوق لك أمثلة من أقوالهم لترى كم هي شديدة الشبه برؤى الحالمين.
يقول الشيخ نجم الدين الكبرى (في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي) في كتابه «فوائح الجمال وفواتح الجلال» (تحقيق المستشرق فرتيز ماير أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة بازل بسويسرا): «يا حبيبي! أطبق جفنيك وانظر ماذا ترى؟ فإن قلت لا أرى حينئذ شيئا، فهو خطأ منك؛ بلى، تبصر، ولكن ظلام الوجود - لفرط قربه من بصيرتك - لا تجده؛ فإن أحببت
شيئا، أو أبعد من وجود شيئا. وطريق تنقيصه والإبعاد منه قليلا، المجاهدة! ومعنى المجاهدة بذل الجهد في دفع الأغيار، أو قتل الأغيار، والأغيار: الوجود والنفس والشيطان» (ص2).
هذا رجل ينصحنا - لكي نرى الحق - أن نكف البصر؛ لنعتمد على البصيرة، شريطة أن نقتل ثلاثة أعداء تحول دون أن تدرك بصائرنا ما هو في وسعها أن تدركه إذا رفعت عنها تلك الحجب، وهؤلاء الثلاثة الأعداء هي أجسادنا، ثم أنفسنا، ثم بعدهما الشيطان! وكيف أقتل الجسد ببصره وسمعه وذوقه وشمه ولمسه؟ أقتله بالجوع الذي يذبله ويفنيه، ثم كيف أقتل النفس؟ أقتلها بطمس شهواتها ورغباتها وميولها وغرائزها وعواطفها وانفعالاتها! فافرض أنني قد أفنيت ما أفنيت من جسدي، وقتلت ما قتلت من نوازع نفسي، فكيف أقتل العدو الثالث الذي هو الشيطان؟ وهل يبقى لهذا الشيطان مطمع في جسد ذوى ونفس جفت عصارتها؟ وهل يمكن لصاحب جسد ونفس كهذين ألا تهوم في رأسه أطياف وأشباح هي التي - إذا ما استيقظ وعيه لحظة من غيبوبته - قد يطلق عليها اسم «الحق»؟! إنني لأذكر في هذا الصدد تجربة قام بها العالم النفسي الحديث «وليم جيمس»، وهي أن عرض بعض أشخاص تجاربه لرائحة الغاز إلى الدرجة التي أفقدتهم القدرة على تركيز الحواس فيما حولهم، فطفقوا ينطقون بعبارات، سجلها الباحث، فإذا هي شديدة الشبه بما يزعم لنا كثير من أهل التصوف أنهم رأوه أو سمعوه.
ولنمض مع الشيخ «الكبرى» في حديثه؛ فلقد أراد أن يبصرنا ببعض ملامح الأعداء الثلاثة التي أوصانا بقتلها إذا أردنا للبصيرة منا أن تدرك الحق، وألفت نظر القارئ هنا إلى استخدام المتحدث للألوان في وصفه. فأما الوجود المادي، وهو العدو الأول، فهو في بداية الأمر «ظلمة شريرة»، حتى إذا ما صفا قليلا اتخذ هيئة «الغيم الأسود»، لكنه إذا ما حل به الشيطان كان ذا لون أحمر؛ فلو أصلحت من أمر وجودك هذا - أي جسدك - على النحو الذي أوصانا به الشيخ المتصوف، وهو أن تقتله بالجوع، «صفا وابيض مثل المزن.»
ويجيء دور العدو الثاني - النفس - فلونها أمام الرائي أزرق كزرقة السماء، «ولها نبعان كنبعان الماء من أصل الينبوع»، فإذا ما حل بها الشيطان تحولت وكأنها «عين من ظلمة ونار.» وأما العدو الثالث - الشيطان - «فقد يتشكل قدامك كأنه زنجي طويل ذو هيئة عظيمة، يسعى كأنه يطلب الدخول فيك، وإذا طلبت منه الانفكاك فقل في قلبك: يا غياث المستغيثين أغثني! فإنه يفر عنك، واعلم أنه يبصر بك وتبصر به، وثيابه مخيطة بثيابك، فإذا فصلت ثيابك من ثيابه، عمي بصره وتعرى عن ثيابه» (ص3). صور تصلح أن تساق في قصيدة من الشعر ليعبر بها الشاعر عن نفسه المكروبة كيف تلتمس طريق خلاصها. أما إذا رأيناها بغير منظار الشعر - ومن الشعر ما هو أقرب شيء إلى رؤى الأحلام - فعندئذ يكون ضلالنا الذي لا يسأل عنه صاحب القول المقروء.
ولعل الشيخ بعد أن كتب ما وصف به الشيطان من أنه «نار» أخذه القلق لعلمه بأن «الذكر» (أي «الله») نار كذلك، وإذن فيتحتم أن يفرق لنا بين نارين؛ حتى لا نخلط بين نار هي الجلال نفسه ونار هي الشيطان، فيقول: «الفرق بين نار الذكر ونار الشيطان، أن نيران الذكر صافية سريعة الحركة والصعود إلى الفوق، ونار الشيطان في كدر ودخان وظلمة، وكذلك بطيئة الحركة. وكذلك يفرق بين النارين بطريقة الحالة؛ فإن السيار (= السالك طريق التصوف) إذا كان في ثقل عظيم وضيق صدر، وقد تعذر عليه الذكر، ولا ينطلق له القلب، ولا ينشرح له الصدر، وكأن أعضاءه كادت ترض رضا بالحجارة وهو يشاهد النار المظلمة، فهي نار الشيطان؛ وإن كان السيار في خفة ووقار وشرح صدر وطيبة قلب وطمأنينة، وهو مع ذلك يرى نارا صاعدة صافية، مثل ما يشاهد أحدنا النار في الحطب اليابس، فهي نيران الذكر في فضاء الصدر» (ص4). فليمتعنا هذا التصوير الشعري لما يكون من فرق بين حالة يشيع فيها الضيق وأخرى تنفرج فيها الغمة، لكن هذا كله شيء، والوقفة العقلية من هذه المشكلة نفسها - ضيق النفس أو انفراجها - شيء آخر.
ولا يفوت هذا الشيخ المتصوف الكاتب أن يدرك الفرق بين «ما نعلمه بعقولنا» و«ما نشاهده بالعيان»؛ أي بالبصيرة؛ ففي عبارة جميلة - بمقاييس الشعر - يصور لنا كيف يمكن «أن نشاهد عيانا ما علمناه عقلا»؛ وذلك بأن نقتل من أنفسنا مقوماتها ولو إلى حد محدود، وما تلك المقومات إلا ضروب أربعة من الوجود: ترابي ومائي وناري وهوائي، وهي كلها معوقات لا نتخلص منها خلاصا كاملا «إلا بالموت الكبير الأخير»، لكننا - إلى أن يجيئنا هذا الموت الكبير الأخير - نستطيع أن نفني من هذه المعوقات بعضها؛ فعندئذ تتكشف لك رؤى عجيبة، يقول الشيخ نجم الدين: «إذا شاهدت بحارا تعبرها وأنت فيها مستغرق، فاعلم أنه فناء الحظ المائي، وإذا كانت البحار صافية وفيها شموس غريقة أو أنوار أو نيران، فاعلم أنها بحار المعرفة!» ليلحظ معي القارئ هذه الصور الجميلة يرسمها صاحب رؤية فنية؛ فهي إن لم تكن أحلاما رآها الشيخ بالفعل في نعاسه، فهي كالأحلام يذكرها ويذكر تأويلها معها؛ فإذا أنت أفنيت الجانب المائي من طبيعتك، رأيت نفسك وكأنك تعبر بحارا صافية في أعماقها شموس ساطعة وأنوار ونيران. ومعنى ذلك أنك عندئذ قد انجاب عنك غشاء الجهل وجاءت إليك المعرفة دافقة في صدرك. ثم يمضي الشيخ في تصويره: «وإذا شاهدت مطرا ينزل، فاعلم أنه مطر ينزل من محاضر الرحمة لإحياء أراضي القلوب الميتة.»
ولنقطع حديث الشيخ «الكبرى» لحظة لنعود إليه بعد حين، فنضع بين يدي القارئ قولا آخر لمتصوف آخر عظيم القدر في دنيا التصوف، هو «عبد القادر عبد الله السهروردي»، أورده في كتابه «عوارف المعارف» تأويلا للآية القرآنية:
أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ؛ لنرى كيف تتشابه الرؤى عند المتصوفة؛ فالمطر عندهم - من التصور الشعري - معرفة تهتدي إليها القلوب برحمة من السماء، يقول السهروردي في تأويل هذه الآية ما معناه إن «الماء» هنا هو «العلم»، و«الأودية» هي «القلوب». ويستشهد ب «ابن عطاء» الصوفي في قوله تعليقا على قول الله تعالى:
صفحة غير معروفة