وكان خليقا بأفلاطون وأرسطو أن ينفذا إلى جوهر الموضوع في فلسفة الضحك وأسبابه لو أنهما قصدا إلى الموضوع في صميمه، وأرادا أن يستوعبا الفروض والاحتمالات في أسباب الضحك وأنواع المضحكات، ولكنهما لم يقصدا هذا المقصد ولم يتكلما عنه إلا عرضا في سياق البحث عن المدينة الفاضلة والبحث عن الشعر وأقسام الروايات الشعرية.
فأفلاطون ذكر المضحكين والمضحكات وهو يبحث عن مكانهم في مدينته الفاضلة أو جمهوريته المثالية التي أراد أن يقصرها على الأفاضل والمأمونين وأن يجنبها عوارض النقص والرذيلة، فبدا له أن الشعر موكل بالجانب الضعيف من الإنسان بغير تفرقة بين شعر المأساة وشعر الملهاة.
فالإنسان الكريم يأبى أن يستسلم للبكاء إذا أصيب في عزيز عليه، ولكنه لا يبالي أن يبكي وأن يحزن إذا رأى هذا المنظر معروضا عليه في رواية فاجعة؛ لأن البكاء يخدعه في هذه الحالة ويوقع في روعه أنه يبكي لغير مصابه ويغلب على نفسه في سبيل غيره.
والإنسان الكريم يأبى أن يفوه بالأضاحيك أو الخبائث المضحكة، ولكنه يستسلم للضحك إذا سمعها محكية في رواية هزلية يمثلها المسرحيون أمامه.
وليس بالحسن على كل حال أن يكون في الجمهورية الفاضلة إنسان يغلب على وقاره ضحكا أو بكاء بله الأناسي الذين يصورون الأرباب في عليين مغلوبين على هذه الصورة، ويقول أفلاطون: إن الإنسان الكريم لا يعرف الجد إلا بالهزل، وإنه من الحسن أن يشهد مناظر الهزل من العبيد والأجراء المسخرين ولا ينغمس فيها بنفسه. وقد أثنى على المصريين لأنهم يعلمون الأبناء الموسيقى والرقص قياما بالشعائر الهيكلية، ولكنهم لا يسمحون للشعراء بخلط الألحان بالأغاني المبتذلة والقصائد الموزونة على رقص الخلاعة والمجون، وقد كانت خلاصة رأيه في كتاب «الجمهورية» وكتاب «القوانين» أن الشعراء يحسنون صناعة الشعر ويستحقون من أجل ذلك أكاليل الغار، ولكنهم يلبسونها ويخرجون من المدينة الفاضلة إلى حيث يشاءون.
ولم يذكر أفلاطون سبب الضحك إلا في كلمات قليلة خلال هذه المباحث الأخلاقية، وهو يرى في تلك الكلمات أن الضحك مرتبط بالجهل الذي لا يبلغ مبلغ الإيذاء، وأن الشعراء يضحكوننا حين يحاكون أولئك الجهلاء؛ ولكنهم إذا طرقوا موضوع الملحمة أو المأساة عظموا الطغيان وجعلوا رواياتهم حكاية لأعمالهم، فلا أمان لهم في محاكاة الجهل ولا في محاكاة الطغيان.
وأرسطو أدق من أستاذه في تعبيراته عن أقسام الشعر؛ لأنه وضع فيها مبحثا خاصا يتبع فيه المسرحيات المضحكة من أصولها منذ كانت ضربا من الهجاء والأغاني الشهوانية إلى أن أصبحت موضوعا للإضحاك والتسلية؛ ولهذا جاءت في الترجمات العربية باسم الأهاجي والتهريجات، ولم يبتدعوا لها اسما يقابل اسم «الكوميدية» كما صنعنا في العصر الحديث؛ إذ سماها بعضهم بالمهزلة وبعضهم بالملهاة، وعربها بعضهم بلفظها اليوناني فسماها «الكوميدية».
وعند أرسطو أن المضحك ضرب من الدميم أو المشوه لا يبلغ درجة الإيلام أو الإيذاء، وفي نبذة منسوبة إليه من رسالة مقطوعته طبعها كيبل
Kaibel
في برلين سنة 1899 يقول:
صفحة غير معروفة