ثم يرد على الذهن أن الضحك الدائم والبكاء الدائم كلاهما إفراط وخروج من الجد إلى ما عداه، وما عدا الجد يلتقي بالضحك ولو في بعض الطريق.
وغني عن القول أن الفيلسوفين لم يكونا على الصفة التي تفهم من كلمة الفيلسوف الباكي والفيلسوف الضاحك، وأنهما تعرضا لهذه الزيادة في الوصف؛ لأنهما مبالغان أراد الناس أن يكشفا هذه المبالغة منهما فوصلا بها إلى غايتها المستحيلة، وصنعا لهما بذلك الوصف صورة هزلية تشبه الصور التي يتعمد فيها الرسامون الفكاهيون إبراز الملامح الشاذة بتكبيرها والخروج بها عن جميع مألوفاتها.
ولقد كان هيرقليطس يترجم عن سخطه أحيانا بحركات صبيانية ليست من البكاء ولا الحزن في شيء، فكان يلعب مع أطفال ليسأله الشيوخ فيجيبهم بأن الأطفال أعقل منهم في تدبير اللعب؛ لأنهم لم يصنعوا في ألاعيبهم ما صنعه الشيوخ المحنكون في أحق الأمور بالجد والرصانة.
وكان ديمقريطس يسيح في الأرض من بلاده إلى مصر والحبشة وفارس والهند وكل قطر معمور، وكانت الدنيا على أيامه قائمة قاعدة تهون فيها مصائب الآحاد إلى جانب المصائب التي تحيق بالدول والشعوب، فكان يضحك من أولئك الذين يستسلمون للأحزان ولا يعتبرون بما حولهم من عادات الزمن وصروفه، حيث ارتحل وحيث أقام، وقيل من نوادر جرأته بالسخرية أنه اجترأ بها على «دارا» جبار الفرس وهو يسيح في بلاده؛ فإن هذا الجبار أحزنه أن تموت له جارية يحبها فوعده ديمقريطس بإحيائها بعد دفنها، وقال له إن الأمر لا يتطلب أكثر من كتابة ثلاثة أسماء على القبر فتعود الجارية إلى الحياة، وسأله «دارا» في لهفة: «وما تكون هذه الأسماء؟» فأجابه الفيلسوف وهو يصطنع الجد: «أسماء ثلاثة لم يفقدوا أحدا من الأعزاء.»
وكان هذا هو العزاء ...
ولا ريب أن البديهة الإنسانية كانت من قبيل الحديد الذي يفل الحديد، فهي التي لقي منها الفيلسوفان جزاءهما من جنس العمل : سخر كلاهما من قومه فأرسله قومه في التاريخ على ذلك «الكاريكاتور» بين ضاحك دائم الضحك، وباك دائم البكاء.
وهذا أيضا باب من أبواب المضحكات التي انطوت عليها قصة الفيلسوف: باب الصورة الهزلية أو الكاريكاتور.
ثم يجيء الشاعر الساخر جوفنال فيغمض باختياره عن هذه المبالغة؛ لأنها توافق «القافية» كما نقول في النكتة العربية، وما كان للشاعر الساخر أن يجد بين يديه هاتين الصورتين ثم يردهما إلى سواء الخلقة ليضيع منه المجال الصالح للتهكم على الموصوفين والواصفين.
فلسفة الضحك
على أن هذين الفيلسوفين المضحكين قد زودا فلسفة الضحك من سيرتهما ورسمهما بزاد لم تتزوده تلك الفلسفة من عقلين كبيرين كعقلي الفيلسوف أفلاطون وتلميذه الفيلسوف أرسطو، وهما أعظم فلاسفة اليونان، ولم يعرض لفلسفة الضحك بعدهما عقل أكبر من عقليهما إلى اليوم.
صفحة غير معروفة