الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

شهاب الدين القرافي ت. 684 هجري
46

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

الناشر

دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع

رقم الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

تصانيف

بالحلال والحرامِ معاذُ بن جبل" (١).

= روى أبو داود في "سننه" ٣: ٣٠١ "عن علي ﵇ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليَمَن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديثُ السنّ ولا عِلمَ لي بالقضاءِ؟ فقال: إن الله سيَهدي قلبك، ويُثَبِّتُ لسانك، فإذا جَلَس بين يديك الخصمان فلا تَقضِيَنَّ حتى تَسمعَ من الآخَرِ كما سمعتَ من الأول، فأنَّه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككتُ في قضاءٍ بَعدُ". وروى القاضي وكيع في "أخبار القضاة" ١: ٨٨ بسنده إلى ابنِ عمر وشدَّادِ بن أوس قالا: قال رسول الله ﷺ: "أقضَى أُمَّتي علي". ورواه البغوي أيضًا من طريق أنس، كما في "كشاف الخفاء" للعجلوني ١: ١٦٢. وناهيك برجل علَّمه رسول الله القضاء، ودَعَا له بالسدادِ والثباتِ على الحق، وشَهِدَ له بالأفضليةِ في معرفة القضاء. وقد اشتَهر أبو الحسن عليٌّ ﵁ بالقضاء حتى صار يُضرَب به المثلُ في حَل المُعضِلات وفَك المُغلَقَات، حتى قيل في كل مشكلةٍ يَستعصي حَلُّها ويَصعُبُ كشفُ كُنهها: "قَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَن لها". يَعنون أن عليًا أبا الحسن ﵁ وهو حلَّالُ المشكلات - قد يَعجِز عن حلِّ تلك المشكلة التي عَجَزوا عنها لتوغُلها في الصعوبة والإغلاق. ولهذا كان عمر ﵁ وهو المُحَدَّثَ المُلْهَم - يتعوَّذُ من مُعضِلة ليس لها أبو الحسن، وكان يقول؛ لولا عليٌّ لهَلَك عمر. ويقول: عليٌّ أقضانا. وقال عبد الله بن مسعود: كُنَّا نتحدث أن أقضَى أهل المدينة عليٌّ بن أبي طالب. وقال عبد الله بن عباس: والله لقد أُعطِيَ علي بن أبي طالب تسعةَ أعشار العلم، وأيمُ الله لقد شارككم في العَشْرِ العاشر. وقالت عائشة: إنه لأعلَمُ النَّاس بالسُّنَّة. أسلَمَ عليٌّ وعمره ١٣ سنة، ومات في ليلة ١٧ من رمضان سنة ٤٠ من الهجرة عن ثلاث وستين سنة من العمر، ﵁. (١) وهذا ثناءٌ عظيم من رسول الله ﷺ على أفضلية علم معاذ بالحلال والحرام. ولهذا أمَرَ النَّاسَ بأخذِ القرآن عنه لعلمه بحلالِهِ وحرامه. روى البخاري ٧: ٩٦ و٩: ٤٣، ومسلم ١٦: ١٧ واللفظ له: عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵁ قال: قال =

1 / 47