الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
ما المقام المحمود الجواب هو الذي يرجع إليه عواقب المقامات كلها وإليه تنظر جميع الاسماء الإلهية المختصة بالمقامات وهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر ذلك لعموم الخلق يوم القيامة وبهذا صحت له السيادة على جميع الخلق يوم العرض قال صلى الله عليه وسلم ' انا سيد الناس يوم القيامة ' وكان قد أقيم فيه آدم صلى الله عليه وسلم لما سجدت له الملائكة فان ذلك المقام اقتضى له ذلك في الدنيا صلى الله عليه وسلم في الآخرة وهو كمال الحضرة الإلهية وانما ظهر به أولا أبو البشر لكونه كان يتضمن جسده بشرية محمد صلى الله عليه وسلم وهو الأب الأعظم في الجسمية والمقرب عند الله وأول هذه النشأة الترابية الانسانية فظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة إذ كان جامعا للقبضتين قبضة الوفاق وقبضة الخلاف فما تحرك من آدم لمخالفة النهي إلا النسمة المجبولة على المخالفة فكانت فخالفته نهى الله من تحريك تلك النسمة التي كان يحملها في ظهره فان المقام يقتضي له ذلك وسألت شيخنا أبا العباس عن ذلك فقال ما عصى من آدم عليه السلام إلا ما كان من أولاده المخالفين في ظهره وكانت العاقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة فظهر في المقام المحمود ومنه يفتح باب الشفاعات فأول شفاعة يشفعها عند الله تعالى في حق من له أهلية الشفاعة من ملك ورسول ونبي وولي ومؤمن وحيوان ونبات وجماد فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لهؤلاء ان يشفعوا فكان محمودا بكل لسان وبكل كلام فله أول الشفاعة ووسطها وآخرها يقول الله ' شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين ' فيقتضي سياق الكلام ان يكون أرحم الراحمين يشفع أيضا فلا بد من يشفع عنده وما ثم إلا الله فاعلم ان الله يشفع من حيث أسماءه فيشفع أسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهار والشديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف فيخرج من النار ولم يعمل خير قط وقد نبه الله تعالى على هذا المقام فقال تعالى ' يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ' فالمتقىانما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد فسمى جليسه متقيا منه فيحشره الله من هذا الاسم إلى الاسم الإلهي الذي يعطيه الأمان مما كان خائف منه وهو الرحمن فقال ' يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ' أي يأمنون مما كانوا يخافون منه ولهذا يقول في الشفاعة وبقي أرحم الراحمين فبهذه النسبة تنسب الشفاعة إلى الحق من الحق من حيث آثار أسمائه وهذا هو مأخذ العارفين من الأولياء فلا يجمع المحامد يوم القيامة كلها إلا محمد صلى الله عليه وسلم فهذا الذي عبر عنه بالمقام المحمود قال صلى الله عليه وسلم في هذا المقام فأحمده بمحامد لا أعلمها الان وهذا يدلك ان علوم الانبياء والأولياء أذواق لا عن فكر ونظر فان الموطن يقتضي هنالك بآثاره أسماء إلهية يحمد الله بها ما يقتضيه موطن الدنيا فلهذا قال لا أعلمها الان وهذا المقام هو الوسيلة لان منه يتوصل إلى الله فيما توجه فيه من فتح باب الشفاعة وهو شفاعته في الجميع ألا تراه صلى الله عليه وسلم يقول في الوسيلة انها درجة في الجنة لا ينبغي ان تكون إلا لرجل واحد وأرجو ان أكون انا فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشافة فجعل الشفاعة ثواب السائل ولهذا سمى المقام المحمود الوسيلة وكان ثوابهم في هذا السؤال ان يشفعوا وهذا هو منصب لإلهي جامع من عين ملك الملك قال تعالى ' ألا إلى الله تصير الأمور ' وقال ' وإليه ترجع الأمر كله ' فكان المرجع إليه فكذلك ترجع المقامات كلها والاسماء إلى هذا المقام المحمود قال صلى الله عليه وسلم ' أوتيت جوامع الكلم '
السؤال الرابع والسبعون
صفحة ٨٦