إن تحول الآداب العربية في ذلك العصر أصاب التراث الجاهلي القديم من لغة وخطابة وشعر وأمثال، وما كان للقوم من علم بشئون الحياة والوجود، كما أنه أحدث علوما وآدابا اقتضاها الإسلام، وقد كان لكتاب الله وسنة رسوله وما للأئمة من تأويل في فهمهما، كان لذلك كله أثره في خلق علوم شرعية لم يكن للعرب منها حظ من قبل، فنشأ في هذا العصر علم التفسير ورواية الحديث وعلوم اللغة؛ كالنحو وما إلى النحو، على أن هذه العلوم الإسلامية المحدثة التي كانت وليدة العصر الأموي خاصة، وعصر صدر الإسلام عامة، لم تكن مولود هذا العصر الوحيد الذي أصبحت فيه البصرة دارا للعلم والعرفان والمدنية، ومسرحا للهو والافتتان، والشام مقر الملك والسلطان، بل كان إلى جانبها مولود آخر كان من شأنه وضع التاريخ والجغرافيا وغيرهما، واتخاذ ديوان الخاتم، ونقل الدواوين من لغة إلى أخرى، وقد كان هذا المولود الآخر نتيجة الفتوح الإسلامية، وخاصة تلك الأقطار التي كانت متأثرة بآداب الفرس والرومان واليونان، وبعبارة أدق: تلك العلوم التي أفادتها العرب أو الدولة الإسلامية من اعتناق الفرس وأهل الشام ومصر وغيرهم - من أسرى الروم - للإسلام، وقد تستدعي هذه النقطة توضيحا، ونظن أنا إذا ما فسرناها بعض التفسير نتعجل بموضوعنا الذي سنقبل عليه أخيرا، وخاصة إذا علمنا أن عصر المأمون وما فيه من فلسفة وعلم، ومن أدب وفن كان متأثرا بحركة النقل والترجمة، وأن تأثره هذا كان إلى مدى كبير يطبعه بطابع المدنية اليونانية والفارسية، ولكن هذا لا يمنعنا أن نلم به إلماما. (2) آثار الآداب والعلوم الفارسية واليونانية في العصر الأموي
كانت آداب الفرس قبيل الإسلام آدابا يونانية في جملتها؛ لأن التاريخ يحدثنا أن آدابهم الفنية القديمة التي كانت مجموعة طيبة لنتاج العقل الفارسي والهندي والآشوري - هذه الآداب قد نقلها الاسكندر الأكبر إلى بلاده - ثم تقلبت حياة الفرس بين ضعف وقوة وجهل وعلم، إلى أن تسلم كسرى صولجان ملكه، ولعب دوره العظيم في تاريخ بلاده، ولعل الأحوال العالمية عهدئذ ساعدته على مهمته في النهوض بالعقلية الفارسية وفي تجديد بعثها، ويقول لنا «چيون»: إن «يوستنيان » قيصر الروم حين اضطهد الفلسفة الأفلاطونية الجديدة أو الوثنية أقفل الهياكل والمدارس، وطارد العلماء المفكرين، فاضطر جماعة من هؤلاء الفلاسفة إلى الرحيل إلى بلاد الفرس؛ حيث وجدوا من كسرى أنوشروان من قدرهم قدرهم.
ويقول لنا الأستاذ «برون» في كتابه القيم عن تاريخ أدب الفرس حين تعرض لرأي المستشرق (نولدكه
Noldeké ) في هذا الصدد: «إن شغف كسرى بالبحوث الدينية والمناظرات الفلسفية وما كان يجد في ذلك من لذاذة وإمتاع ليعيد إلينا ذكرى المأمون والإمبراطور الأكبر مما نمسك عنه الآن.»
على أنا مع إمساكنا عن التبسط في القول لا يسعنا إلا أن نذكر في هذا المقام أن أنوشروان كان قد أسس مدرسة للطب والفلسفة في جنديسابور كانت لها شهرة مدرسة الإسكندرية، وإنه ليجدر بنا هنا أن ننظر هل استفاد العرب حقا من علوم الفرس عند ظهور الإسلام؟ وهل استفادوا من غزوهم مصر وفيها مدرسة الإسكندرية؟ ومن إخضاعهم الشام المتأثرة بآثار العقلية الرومانية؟ وهل وجدت حركة نقل في العصر الأموي؟ لأن في توضيحنا ذلك بعض النفع لنا في دراسة التحول العلمي والأدبي في تاريخ التمدين الإسلامي الذي وصل إلى درجة خليقة بالإجلال والإكبار في عصر المأمون، العصر الذي نضج فيه مختلف الفنون والآداب، فلنحاول توضيح شيء من ذلك متوخين حد القصد والإيجاز. (3) حركة النقل في العصر الأموي
يخبرنا ابن أبي أصيبعة في الباب الذي أفرده لأطباء العرب في إبان الإسلام، أن «الحارث بن كلدة» تعلم الطب بناحية فارس، وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء، ويخبرنا أيضا أن عبد الملك بن أبحر الكناني الذي أسلم على يد عمر بن عبد العزيز حينما كان أميرا على مصر، كان طبيبا عالما ماهرا، وأنه كان في أول أمره في الإسكندرية؛ لأنه كان المتولي التدريس بها من بعد العلماء الإسكندريين، وزاد بأن عمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه نقل التدريس إلى أنطاكية وحران، وتفرق في البلاد، ثم ذكر ابن أثال، طبيب معاوية، وتكلم عن علمه بالأدوية المفردة والمركبة، وذكر أبا الحكم «وتماذوق» طبيب الحجاج، وحسبنا هذا دلالة على ما أفاد العرب أو ما يمكن أن يفيدوا من علم الطب.
فلننتقل من هذا إلى التكلم عن حركة النقل والترجمة، ويكفينا الآن أن ننظر فيما رواه صاحب الفهرست عن ذلك إذ يقول:
كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي. وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان - وكان باللغة الفارسية - إلى العربية في أيام الحجاج، والذي نقله صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم. وكان أبو صالح من سبي سجستان، وكان يكتب لزادانفروخ بن بيري كاتب الحجاج يخط بين يديه بالفارسية والعربية، فخف على قلب الحجاج، فقال صالح لزادانفروخ: إنك أنت سببي إلى الأمير، وأراه قد استخفني ولا آمن أن يقدمني عليك وأن تسقط منزلتك، فقال: لا تظن ذلك هو إلي أحوج مني إليه لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري، فقال: والله لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته، قال: فحول منه أسطرا حتى أرى. ففعل، فقال له: تمارض، فتمارض، فبعث الحجاج إليه تيادروس طبيبه، فلم ير به علة؛ وبلغ زادانفروخ ذلك فأمره أن يظهر، واتفق أن قتل زادانفروخ في فتنة ابن الأشعث وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، فاستكتب الحجاج صالحا مكانه، فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين صاحبه في نقل الديوان، فعزم الحجاج على ذلك وقلده صالحا، فقال له مردانشاه بن زادانفروخ: كيف تصنع بدهويه وششويه؟ قال: أكتب عشرا ونصف عشر، قال: فكيف تصنع بويد؟ قال: أكتب وأيضا قال: والويد النيف والزيادة تزاد، فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية! وبذلت له الفرس مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان، فأبي إلا نقله فنقله، فكان عبد الحميد بن يحيى يقول: لله در صالح ! ما أعظم منته على الكتاب! وكان الحجاج أجله أجلا في نقل الديوان.
فأما الديوان بالشام فكان بالرومية، والذي كان يكتب عليه سرجون بن منصور لمعاوية بن أبي سفيان، ثم منصور بن سرجون، ونقل الديوان في زمن هشام بن عبد الملك نقله أبو ثابت سليمان بن سعد مولى حسين، وكان على كتابة الرسائل أيام عبد الملك. وقد قيل: إن الديوان نقل في أيام عبد الملك، فإنه أمر سرجون ببعض الأمر فتراخى فيه، فأحفظ ذلك عبد الملك فاستشار سليمان؛ فقال له: أنقل الديون وأرتجل منه.
ثم نجده يتكلم في مكان آخر عن اصطفن القديم، وأنه نقل لخالد بن يزيد بن معاوية كتب الصنعة وغيرها، فنحن نجد من هذا وغيره أن اللغة العربية أخذت تجري أشواطا في حلبة العلوم في هذا العصر. •••
صفحة غير معروفة