بين الدين والعلم: تاريخ الصراع بينهما في القرون الوسطى إزاء علوم الفلك والجغرافيا والنشوء
تصانيف
فإن ما أعلن عنه «لامارك»، وعلى الأخص قوله إن نشوء الأعضاء ونماءها إنما يكون بنسبة استعمالها، وإشاراته التي وجه فيها القول إلى انتقال الصفات المكتسبة أو المفقودة من الآباء إلى الأعقاب، كانت قوة كبرى عملت على تنشئة نظرية النشوء وتدعيم أسسها.
وكان «حفرو سانتيلير»
Geoffroy st. Hilaire
أكبر من تبع «لامارك» من رواد هذه النظرية. ففي سنة 1795 وضع نظرية أن الأنواع عبارة عن سلسلة من التطورات المتتابعة واقعة على صورة أصلية
Type
أو مثال أصلي. ولقد عمل على تنشئة هذه النظرية وتنميتها متدرجا فيها على مر الزمن وبمقتضى ما كان يكشف له من أسرار الطبيعة. ولقد كان من نصيبه أن يواجه في سبيلها عقبات شديدة عاتية. وأن يخوض في سبيلها معارك ممضة مضنية سنين طوالا.
أما الرجل الذي خاض المعركة في عصر «سانتيلير» فكان مرماه العلم، ولكنه خدم اللاهوت لا عن قصد ولا عن شعور، فكان «كوفييه» أكبر الفوسيقيين في عهده، وحجة علماء الطبيعة في عصره. وكان شهرته العلمية عن جدارة واستحقاق. ولقد ضفت عليه الألقاب العلمية من وطنه ومن غير وطنه. فكان يحملها بحق وبوزن لا تطفيف فيه. فكان من رجال الحاشية الملكية في عصر نابليون، ورئيس مجلس المعارف العمومية، ورئيس الجامعة في عصر البوربون بعد رجوعهم إلى عرش فرنسا، وحامل لوسام اللوجيون دونور، ونبيل من نبلاء فرنسا، ووزير للداخلية، ورئيس لمجلس الدولة في عصر لويس فيليب. ولقد حاز شهرة في كل مركز من هذه المراكز، ومع كل ما حازه من مراقي الشرف باعتلائه هذه المناصب الإدارية. لم يكن شيئا مذكورا بجانب ما عقد له من لواء الزعامة في عالم العلم الطبيعي. ولقد اعترف له «العلم» في كل أنحاء الدنيا بأنه مالك زمامه وحامل لوائه، ولهذا الشرف الكبير عاش اسمه، وبحق سوف يعيش. غير أنه كانت تكمن في تضاعيف نفسه وفي تلافيف دماغه، كما كمنت في نفس لينيوس جراثيم جعلته ينظر في الكون من ناحية تصور لاهوتي بذاته في أصل الخليقة وتخطيط تصاميمها الأولى. غير أن هنالك اعتبارات ذات بال جعلته يقاوم النظرية الجديدة ويشدد عليها الخناق بقوة. منها أن أخلاقه قد تكونت على أن يكون شاكا إزاء كل نظرية جديدة في العلم لكثرة ما رأى في حياته من ولادة النظريات واستشبابها ثم موتها. ومنها بيئته كعمدة من عمد الحكومة حاز الشرف ونال الحب والاحترام، بل عبده الأعظمون، وقدسه الأنبغون، لا من رجال الحكومة وحدهم، بل من رجال الكنيسة أيضا. ومنها حيدته وبعده عن المجادلات العنيفة رغبة منه في أن يتحامى المعارك الشديدة التي كان لا بد من أن تحتدم نارها ويتلظى سعيرها إذا قاوم العلم الكنيسة عيانا وبادرها بالعداء جهارا. وعلى الأخص بعد أن وقعت أوروبا في يد الكنيسة لقمة سائغة باردة بعد الثورة الفرنساوية الكبرى، وجعلت من أعدائها موطئا لقدميها؛ لهذا تراه قد ناوأ في جلبة المدائح التي أفاض بها عليه أعاظم رجال الكنيسة، بكل سلطته العلمية ونفوذه، على نظرية النشوء مؤيدا النظرية القديمة، نظرية النكبات الجيولوجية، وما يتبعها من مذهب الخلق المستقل.
غير أن «جفردي سانتيلير» قاومه بمرارة وحرارة، محتملا في سبيل ذلك كل ضروب الإنكار وسوء المعاملة والسخرية. في حين أن «تريفيرانوس» بعيدا في حجرة محاضراته الرياضية في مدينة «بريمان» كان نسيا منسيا.
ذلك في حين أن تيار الفكرة النشوئية ظل منسابا جاريا، ولم تستقو هذه الوسائل على صدره والوقوف في سبيله. نعم إن مجرى الفكرة قد انتابته بعض الصعاب زمانا ما، غير أن الفكرة تحولت في مجار أخرى وفي طرق وأمكنة لم يكن من المحتمل أن تتمشى فيها. فإن هذه الفكرة كما بدأت في فرنسا ظهرت في إنجلترا على الأخص، حيث ظهرت سلسلة كون وحداتها رجال من عظماء الحفريين والجيولوجيين، حتى انتهت بظهور الجليل شارلس ميل
Lyell
صفحة غير معروفة