على أن القرون الخمسة الأولى بعد المسيح لم تخل قط من خلاف محتدم بين المجامع والكنائس على تفسير المقصود من كلمات الأب والابن والروح القدس والكلمة وغيرها من الأوصاف الإلهية التي وردت في الأناجيل، فاتفقوا جميعا على الوحدانية ولكنهم اختلفوا في أقانيم الثالوث: هل الابن مساو للأب؟ وهل هو ذو طبيعة واحدة أو ذو طبيعتين إلهية وإنسانية؟ وهل هو إله أو إنسان مفضل على سائر البشر؟ وهل يصدر الروح القدس من الأب وحده أو من الأب والابن معا؟ وهل المسيح هو الكلمة أو هو الابن فقط أو أن الكلمة والابن مترادفان؟ أو أن الكلمة هي الأب والإله؟
وليس من موضوعنا هنا أن نبسط أوجه الخلاف وأسانيد المختلفين وقد كتبت فيها مئات المجلدات، ولكننا نلخص الرأي الغالب في تفسير الأقانيم: وهو أن الأقانيم جوهر واحد، وأن الكلمة والأب وجود واحد، وإنك حين تقول الأب لا تدل على ذات منفصلة عن الابن أو عن الروح القدس: لأنه لا انفصال ولا تركيب في الذات الإلهية، ولكنها تتجلى بالأبوة في معرض الإنعام وبالبنوة في معرض التلقي والقبول، ويوشك أن يكون الشأن في تعدد الأقانيم كالشأن في تعدد الصفات عند بعض المفسرين.
وقد استقر الرأي على ذلك مع خلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية في موضوع الروح القدس وعلاقته بالأب والابن، فإن الكنيسة الشرقية تقول: إنه يصدر من الأب وحده والكنيسة الغربية تقول: إنه يصدر من الأب والابن على السواء.
ولم تفصل المجامع - كمجمع نيقية ومجمع إفسس ومجمع خلقدونية - كل الفصل في موضوع هذه التفسيرات، فإن دعاة الإصلاح قد أعادوا البحث فيها خلال القرن السادس عشر، فوقف الأكثرون منهم عند التعبيرات القديمة، وخالفهم سوسينس
Socinus
في مسألة الطبيعة الإلهية، فنفي عن المسيح كل إلهية، وتفرع على مذهبه مذهب الموحدين
Unitarians
الذي نشأ في بولونية وقرر أن الإله لا يحل في البشر وأن السيد المسيح إنسان كسائر الناس.
ومما لا خفاء به أن آباء الكنيسة الأولين ما كانوا لينظروا إلى مسألة الثالوث كأنها مشكلة تتطلب الحل لو لم يكن عصرهم كله عصر فلسفة وعصر اتجاه إلى التوحيد؛ لأن هذه المسألة بعينها لو عرضت للمتدينين قبل المسيح ببضعة قرون لقبلوا حرفها على ظاهره في جميع نصوصه، ولم يجدوا في معاني الثالوث بالنسبة إلى الآلهة حاجة إلى التأويل.
على أن الفكرة الإلهية - بمعزل عن مسألة الثالوث - قد لقيت من آباء الكنيسة المفكرين أوفى نصيب من الدراسة الفلسفية التي تتلمذوا فيها على حكماء اليونان أو على حكماء المسلمين، وكان للفيلسوف الإسرائيلي فيلون أثر في توجيه هذه الدراسة غير قليل.
صفحة غير معروفة