وتقضي أمينة بعد خروجها من المستشفى أربعين يوما - حسب التقاليد التي يصر طه حسين على احترامها - في بيت أبيها بالزمالك، وطه حسين في هذه المدة مشغول بحمل حفيده وتهدئته - عندما يبكي - بقراءة أبيات من الشعر الجاهلي، يقول إن هذا الجيل الجديد لا بد أن يسلح نفسه بالثقافة العميقة من أول الأمر!
وفي صيف 1949 ينتهي طه حسين من إملاء مقال للأهرام عن ثلاثة عظماء هم الجاحظ وشكسبير وجوته، عربي وإنجليزي وألماني، فهو لا ينفك يتحدث عن فضل العرب كلما تحدث عن أمم الحضارة!
ويقول لزوجته بعد أن ينتهي من الإملاء: «لم يعد لدينا ما يبقينا في مصر؛ أمينة عادت إلى زوجها وبيتها ومعهما ابنهما، مؤنس متغيب في الخارج للدراسة، وكتبي تصادر في مصر، وليس لي عمل منتظم، وأنا لا أطيق هذا الجو الحار.»
وترد السيدة سوزان: «الجو الحار نعم، أما كتبك فإنها لا يمكن أن تصادر إلى الأبد، وسنجد مؤنس في استقبالنا في باريس، وسنجد أمينة وزوجها في استقبالنا في مصر عندما نعود.»
ويقول طه في شيء من المرارة: «نعم، والآن سيكونان هما وحدهما اللذين يستقبلاننا.»
وترد سوزان: «بل سيكون معهما تلاميذك الأوفياء، وهؤلاء سوف يكونون معك دائما، إلى الأبد.»
وفي سبتمبر عام 1949 نرى طه حسين في مكتبه وقد عاد من رحلة الصيف، يتحدث مع الجراح الدكتور محمد كامل حسين الذي حضر للتهنئة.
الدكتور كامل حسين يقول له إن وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا قد استقالت بعد خمسة أشهر من تأليفها، وحسين باشا سري سوف يجري الانتخابات وينتظر طبعا أن تسفر عن فوز الوفد.
وأجريت الانتخابات، وفاز الوفد، ودعي النحاس باشا لتأليف الوزارة، ويحضر النحاس باشا إلى منزل طه حسين دون موعد فيجده مع عدد من الشباب، من بينهم الأستاذ محمد سعيد العريان والأستاذ محمد فتحي ... فيسلم النحاس باشا عليهم ويخرج مع طه حسين إلى الحديقة، فيفاجئه بأن يطلب منه أن يتولى منصب وزير المعارف في وزارته التي يجري تأليفها.
وطه حسين يشكره، ولكنه يرجو معاودة التفكير لأسباب: الأول أنه ليس عضوا في الوفد، وأعضاء الوفد الذين شاركوا رئيسهم جهاده أحق بالاشتراك معه في الحكم، والثاني أن السراي غاضبة عليه منذ زمن بعيد، ولا ينتظر أن توافق على تعيينه، والثالث أنه ملتزم أمام نفسه وأمام الشباب ببرنامج للتعليم سبق أن شرحه عام 1937 في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي كان يعده في الأصل ليقدمه تقريرا إلى النحاس باشا نفسه، وهو لا يعرف رأي وزارة الوفد عندما تتولى الحكم في تطبيق هذا البرنامج الذي يؤكد ضرورة إعلان مجانية التعليم الابتدائي والثانوي، وهناك سبب رابع لا يحتاج إلى تبيين.
نامعلوم صفحہ