النحاس باشا يفند هذه الأسباب الأربعة ويبدأ من الرابع؛ السبب الرابع كلام فارغ، إن سمح الدكتور بهذا التعبير، فقد قام طه حسين بواجباته في إدارة كلية الآداب وفي مراقبة الثقافة وأدى عمله مستشارا لوزارة المعارف ومديرا لجامعة الإسكندرية بكفاية ودقة لا تعرف عن المبصرين. والسبب الثالث هو سبب يزكيه وليس العكس، فإن الوزارة تتطلع إلى إصلاح التعليم وتيسيره للشعب. والسبب الثاني الرد عليه بسيط: إن السراي مخيرة بين النحاس باشا ومعه طه حسين وبين رفض تعيين طه حسين وزيرا للمعارف ورفض تعيين النحاس رئيسا لمجلس الوزراء. أما السبب الأول فإن النحاس يقول: «إن الذي يهمني هو مصلحة الأمة وليس مصلحة الحزب ولا مصلحة الأفراد، وأعضاء الوفد سوف يسرهم جميعا قبولك مشاركتنا في تحمل أعباء الوزارة.»
وطه حسين يقول: «في اعتقادي أن التعليم العام يجب أن يكون مجانيا كي لا يحرم واحد من أبناء الوطن، كي تتاح لجميع المواطنين فرصة متكافئة.»
ويرد النحاس باشا: «عارف، وأنت لا بد متذكر أننا التقينا مرة في قطار من قطارات الصعيد وتحدثنا في هذا الموضوع.»
ويقول طه حسين: «وإذا أصبحت أنا وزيرا للمعارف، فإن رفعتكم ستحبون قطعا إعلان مجانية التعليم في أول خطاب للعرش تلقونه أمام البرلمان.»
ويسأل النحاس باشا: «هذا شرط؟»
ويرد طه حسين: «لا، معاذ الله! ليس شرطا ولكنه توقع، إنني أتوقع أن دولتكم ستعلنون مجانية التعليم في أول خطاب للعرش.»
ويقول النحاس باشا وهو يتأهب للانصراف: «يعني شرط، على كل حال شرط مقبول ... اتفقنا، مبروك!»
الوزير
في قاعة مجلس النواب صباح يوم 16 يناير 1950، رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا يلقي خطاب العرش ويصل إلى الفقرة الخاصة بالتعليم، وقد أعدها طه حسين، فيعلن باسم الملك أن حكومته ترى «أن خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة التي تنفعه وتنفع الناس، وتحفظ على المواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التي تتيح لهم الجهاد المنتج في سبيل الرقي والتقدم؛ ولذلك فهي لن تبخل بأي جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع في مجانية التعليم حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، وقد قررت فعلا مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني منذ اليوم.»
وفي مقهى بحي السيدة زينب بالقاهرة يستمع رواد المقهى في سكون إلى خطاب العرش، فيتعالى ضجيجهم وهتافهم عند سماع هذه الفقرة.
نامعلوم صفحہ