احتراس
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أقول: لعلك تعرف أن قوله كأن المراد... إلخ، مأخوذ من شرح المقاصد حيث قال: والأقرب أن العقل قوة حاصلة هي مبدأ العلم بالضروريات بحيث يتمكن من اكتساب النظريات، وهذا معنى ما قاله الإمام الرازي أنها غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات انتهى كلامه، ولا كلام لنا في صحته، فإن معنى كلام الرازي ومعناه واحد باعتبار ما صدق عليه كل منهما بخلاف ما ذكره المؤلف فإنه لا تعرض فيه لكونه مبدأ العلم بالضروريات، ولا كونه غريزة يتبعها... إلخ، فلا تلائم بين القولين بوجه ما فضلا عن الاتحاد [321] فيما صدق أو مفهوما إنما اتفق في أن كلا منهما يقتضي معنى غير الضرورية ولو كان هذا قاضيا بالاتحاد لزم أن يرتفع الخلاف في ماهية العقل بالجملة، فإن صاحب القاموس عرفه بأنه نور روحاني كما مضى، ولا كلام في أن النور الروحاني معنى غير الضرورية فيلزم أن يكون كلامه موافقا لكلام الإمام الرازي، وكذا عرفه بعض الحنفية بأنه نور يضيء به طريق يبدأ به من محل ينتهي إليه درك الحواس، ولا شك أن ذلك معنى غير الضرورية، وعرفه بعضهم بأنه ملكة في النفس يستبعد بها المعلوم والإدراكات، وذلك معنى غير الضرورية، وعرفه الشيخ أبو الحسين البصري، وتبعه الإمام يحيى بن حمزة لأنه بنية مخصوصة يدرك بها المعقولات كما يدرك بنية العين المحسوسات وعرفه صدر الشريعة بما عرفت في صدر البحث، وهو معنى غير الضرورية، وأورد الماوردي في تعريفه معاني كل منهما غير الضرورة فيلزم على قود كلام المعترض أن تكون هذه الأقوال وغيرها مما ضاهها متحدة بكلام الإمام الرازي.
وبالجملة فكونه معنى غير الضرورية أعم من كونه غريزة يتبعها العلم بالضروريات... إلخ، ولا يلزم من كذب الأخص أو بطلانه كذب الأعم، ولا بطلانه عند جميع العقلاء، فظهر فساد ما قاله المعترض بجهله وتطفله على كلام شرح المقاصد وسوء معرفته بموضع نقله.
قوله: فظهر أن استدلال المؤلف... إلخ، لا أدري من أين ظهر في كلام المؤلف.
نعم: ظهر من كلام المعترض الذي أورده على المؤلف، وما رأيت أعجب حالا من هذا الرجل يحمل كلامه احتجاجا لكلامه ومناطا لاعتراضه وأوهامه لكن هذا غير عجيب من ثمرات الخذلان، وتباعد البغي والعدوان، ولنوضح أصل الكلام في هذا المقام فنقول: لما ذهب الشيخ الأشعري إلى أن العقل هو العلم ببعض الضروريات، واستدل عليه بأنه لو كان غير العلم لجاز إنفكاك أحدهما عن الآخر، لكنه محال لاستحالة أن يوجد عاقل لا يعلم شيئا، وعالم بجميع الأشياء، ولا يكون عاقلا إلى آخر الاستدلال، واقتضاه جمهور المتقدمين من أصحابه.
صفحہ 687