ولكن قام بعدئذ سيبيو الذي كان أعظم من هنيبال، وعندئذ انقلبت الحالة بطنا لظهر ، وكل الفتوحات التي قضى القرطجنيون في إدراكها نحو نصف جيل استرجعت منهم بنفس الاعتساف والشدة، وسفك الدماء والتعاسة التي أخذت بها.
وقد وصفنا أعمال هنيبال الشهيرة في فتوحاته هذه، وما أتاه من الدهاء والدربة والإقدام على جلائل الأمور، أما مآتي سيبيو في استرجاع ما غنمه هنيبال فلم نأت على ذكرها إلا عرضا وبكل اختصار؛ وذلك لأن الغرض من هذا الكتاب هو إيراد سيرة حياة هنيبال لا سيرة حياة سيبيو، ومع هذا فإن فتوحات سيبيو قد تمت ببطء وبالتدريج، فاستغرقت زمنا طويلا.
فهو كان في سن الثامنة عشرة في معركة كانيه وذلك عندما اقتاد الجيش، وعندما أقيم قنصلا كان في الثلاثين من عمره، وذلك قبل ذهابه إلى أفريقيا بزمن يسير، وعلى هذا يكون قد قضى خمس عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة في هدم بناء المجد المشمخر الذرى الذي شيده هنيبال محاربا في أقاليم بعيدة عن قرطجنة وبطلها كل هذا الوقت، كأنه قد أبقى القائد العظيم والمدينة العظيمة إلى النهاية.
ولكنه قد كان ناجحا في كل الذي أجراه، حتى إنه عندما تقدم لمهاجمة قرطجنة كان كل شيء قد اضمحل، فكانت قوة قرطجنة كالصدفة المجوفة فارغة وعديمة النوى، فلم تتطلب سوى ضربة واحدة شديدة لتسحق سحقا، وفي الواقع أن قوة قرطجنة كانت متلاشية وفي حالة الانحلال النهائي، وأسباب دفاعها قد نفدت بحيث إن تلك المدينة العظيمة المرهوبة الجانب اضطرت إلى استدعاء، قائدها العظيم لإغاثتها حال دنو الخطر منها فسحق سيبيو الاثنين.
ومع ذلك فإن سيبيو لم يتطوح مثلهم ليسحقهم إلى النهاية، فقد أبقى على حياة هنيبال ولم يؤذ المدينة، إلا أن شروط الصلح التي تقاضاها كانت ثقيلة بهذا المقدار حتى قضت على سيطرة قرطجنة بالزوال إلى الأبد، فبهذه الشروط أتيح للقرطجنيين أن يظلو أحرارا مستقلين، وأن تستمر سيادتهم على مالهم من المقاطعات في أفريقيا التي كانت لهم قبل الحرب، وإنما انتزع سيبيو منهم أملاكهم الأجنبية، حتى إن ملكهم في أفريقيا كان محدودا وسيطرتهم مقيدة.
وأخذ الرومانيون منهم الأسطول بجملته ما عدا عشرة مراكب صغيرة ذات ثلاثة صفوف من المجاذيف؛ ذلك لأن سيبيو وجدها ضرورية لحكومة قرطجنة لكي تستعين بها على الإدارة المدنية، فهذه المراكب فقط بقيت لهم، ولم يقل سيبيو ما الذي سيفعله بالأسطول بل كل ما صرح به هو أن يسلم إليه بلا شروط، ثم إنه أخذ الأفيال التي عند القرطجنيين جملة، واشترط عليهم ألا يمرنوا غيرها فيما بعد في أية ناحية من العالم خلا أفريقيا.
حتى إنه إذا اضطرتها الظروف إلى شهر حرب في أفريقيا، فلا يجوز لها الإقدام على ذلك قبل إشعار الشعب الروماني مقدما والحصول على إذن منه بذلك، وكان على قرطجنة أن تدفع جزية سنوية باهظة لمدة خمسين سنة، فأحدثت هذه الشروط القاسية ضوضاء عظيمة واستياء شديدا في مجالس قرطجنة وطال الجدال في أمرها أياما، وكان هنيبال ميالا إلى القبول بها فعارضه في ذلك آخرون مفضلين المثابرة على الحرب، ولو كان الخذلان فيها من نصيبهم على الرضوخ لمثل هذه الشروط المهينة المؤدية إلى الخراب والشقاء والذل.
وكان هنيبال حاضرا في مفاوضات المجلس كلها، ولكنه وجد نفسه هذه المرة في موقف يختلف كثيرا عن المواقف التي كانت له في غضون ثلاثين سنة انقضت أيام كان قائدا منتصرا يركب في جيش عرمرم، وله إذ ذاك القول الفصل يشير ويسيطر ويدبر كل أمر، ففي مجالسه الحربية الماضية لم يكن أحد يجرؤ على الكلام بدون إذنه، ولا يوضح أحد عن رأيه في أمر إذا أبى هنيبال سماعه.
على أنه في مجلس الشيوخ القرطجني قد كان الأمر بالعكس، فآراء الشيوخ كانت تلفظ بكل وضوح كما يحدث بين الأكفاء، ويكون هنيبال في جملتهم له رأي واحد لا سوى؛ فإما يقبل أو يرفض كغيره من الآراء، إلا أن روح السلطة التي كانت لا تزال تتردد في صدره وما اعتاد في الأيام الماضية من النهي والأمر قد جعله عديم الاحتمال قليل الصبر عندما يعارضه أحد، حتى إنه إذ كان أحد الشيوخ يخطب مرة مفندا آراء هنيبال مقاوما ما أشار به لم يصبر هنيبال عليه، بل أمسكه بتلابيبه وأجلسه في مكانه بالقوة.
فحمل عمله هذه أعضاء المجلس على الاستنكاف من أثرته وتصلبه وعتوه، وصرحوا له باستيائهم من هذا السلوك القبيح قائلين إن أيام سيطرته قد ذهبت، فكان هو والحالة هذه يرجع عن غيه في الحال ويندم على عمله متأسفا؛ لأنه قد نسي واجبات وظيفته الجديدة ويعتذر لتطرفه الذي لا داعي له، أخيرا أقر رأي القرطجنيين على القبول بشروط السلم التي طلبها سيبيو، وهكذا دفعوا إليه أول قسط من الجزية، وسلموا إليه السفن والأفيال بأجمعها مستسلمين على الكره منهم.
Bilinmeyen sayfa